تطور الكيمياء الحيوية يهدم نظرية دارون

07 يوليو

الكيمياء الحيوية

مقالة نشرت في العدد 89  (نيسان 2015) من مجلة التقدم العلمي الكويتية

 

أدى التطور الهائل لعلم الكيماء الحيوية منذ أواسط القرن الماضي وحتى اليوم، إلى تغير جذري في معرفة العلم والطب بما يجري في جسم الإنسان، وبالذات في مقومات الحياة، فقد تبين للعلماء وبوضوح قاطع لا لبس فيه، أن حياة أي كائن حي، قائمة على عدد يصعب حصره من الآلات والأجهزة التي تعمل بشكل متكامل ومتزامن، لو توقف أي منها عن العمل لكان لها تأثيرات قد تكون مميتة على حياة الكائن الحي، وهذه الآلات ليست مصنوعة من معادن وأخشاب وغيرها من المواد التي نعرفها، ولكنها مصنوعة من جزيئات كيميائية، تقوم بكل ما يخطر وما لا يخطر على بال من أعمال، وتتحكم بكل ما يجري في الكائن الحي من مهام، تحمل المواد  وتنقلها ثم تفرغ حمولتها في المكان المناسب، وتنسخ الخلايا وتعطيها شكلها ولونها وتنقل صفات الكائن الحي لذريته وتدافع عنه ضد الأعداء، وتولد التيار الكهربائي وتنقله وترسله إلى الأماكن المطلوبة وتقطعه عندما تنتهي مهمته، ولو عددنا لما فرغنا، ولكن باختصار، الجزيئات الكيميائية هي آلات تتحكم تماما بكل ما يجري في خلايا الكائن الحي من أعمال.

لقد كان هذا التغير في المعرفة أحد المعاول الكبرى التي ساهمت مع غيرها في هدم نظرية التطور التي وضع أسسها تشارلز دارون، ولكن كيف؟

معروف أن نظرية دارون تقوم على أسس ثلاثة: الأول أن الكائنات لها أصل مشترك، والثاني أن الاختلاف والتنوع والتعقيد الذي نراه في الكائنات هو نتيجة طفرات عشوائية كانت تحدث للكائنات على مر الملايين من السنين، وأن تراكم هذه الطفرات كان يؤدي إلى تغيرات في الكائنات الحية، وهنا يأتي دور الأساس الثالث، وهو الاصطفاء الطبيعي، الذي ينتقي من الكائنات ما تؤدي طفراته المتراكمة إلى تحسن في نوعه، فيبقى ويتكاثر وينقل صفاته المحسنة الجديدة إلى ذريته، في حين ينقرض الكائن الأضعف أو ذو الصفات الأدنى، وقد كان اكتشاف العمليات البيولوجية المتسلسلة والمعقدة، والتي لا تكاد تحصى، والموجودة في الخلايا الحية، أحد أهم عوامل انهيار مبدأ تراكم الطفرات، وبالتالي انهيار النظرية من أساسها، وسنستعرض بعد قليل إحدى هذه العمليات بالتفصيل، ولكن بعد أن نذكر مثالاً نشرح فيه المقصود بالعمليات المتسلسلة.

العمليات المتسلسلة المعقدة –  خطوط الإنتاج:

إن تصنيع أي آلة معقدة مثل السيارة على سبيل المثال يحتاج إلى مصانع متقدمة، تحتوي على خطوط إنتاج، تعمل بدقة شديدة، وبخطوات متعاقبة، تدخل المواد من أوله معادن ولدائن وقماشاً وجلداً وأسلاك، وتخرج من آخره سيارة متكاملة جاهزة للعمل،   وأهم ما يلاحظه من يتأمل خط الإنتاج  هو أنه يتألف من مراحل أو محطات متعددة متوالية، وأن كل محطة يتم فيها عمل يعتمد على ما تم في المحطة السابقة، ويعتمد عليه العمل الذي يتم في المحطة اللاحقة، وبتعبير آخر كل مرحلة هي نتيجة لما قبلها وتوطئة لما بعدها، وأن المواد التي تصنع منها السيارة موزعة على المحطات، كل مادة في المحطة المناسبة، وكل مادة ذات مواصفات دقيقة محددة معروفة مسبقاً، فمثلاً في المراحل الأولى للتصنيع نرى على خط الإنتاج هيكل السيارة المعدني مجرداً، وفي مرحلة لاحقة يتم معالجته فنرى عليه ثقوبا وفتحات وتفاصيل مجهزة للمراحل اللاحقة، هناك فتحات للأضواء، وثقوب لكل سلك أو أنبوب سيعبر من المحرك إلى مقصورة الركاب، وأماكن مخصصة محفورة بدقة شديدة لكل صمام أو زر أو غير ذلك، وكلما مشت السيارة على خط الإنتاج كلما أخذت أجزاؤها بالتكامل، حتى يتم التصنيع، وبدهي أن هذا لا يتم إلا إذا كان هناك تصميم لكل أجزاء السيارة، من أكبر قطعة في هيكلها إلى أصغر دارة كهربائية في محركها، وإن هذا التصميم قد تم تجهيزه مسبقا وبدقة شديدة وبشكل كامل (ضعوا خطاً أحمر على عبارة “بشكل كامل”)، قبل إنشاء خط الإنتاج، ومن البدهي أن مدير فريق التصميم يعلم تماما كيف ستخرج السيارة في نهاية خط الإنتاج قبل أن يبدأ الإنتاج،  ولو حصل خلل أو خطأ في خط الإنتاج، لما اكتمل التصنيع، فخط الإنتاج يكون عادة مبرمجاً بحيث لا يتحرك إلى أية مرحلة قبل أن تنتهي المرحلة السابقة لها، ولو فرضنا جدلاً أنه تحرك وتجاوز إحدى المراحل، فستخرج السيارة غير مكتملة أو فيها خلل يمنع من استخدامها.

إن خطوط الإنتاج الصناعية هي مثال تقريبي لنوع من العمليات المتسلسلة المعقدة، التي ينعتها العلماء بمصطلح (تعقيد غير قابل للاختزال)، أي لا يعمل إلا إذا كان مكتملا من أوله إلى آخره ولا يمكن أن نحذف منه أية مرحل من مراحله، لأن حذف مرحلة واحدة يعطله تماما ويعادل حذفه كله.

خطوط الإنتاج الحيوية:
إن جسم الكائن الحي يحتوي على ما لا يكاد يحصى من خطوط الإنتاج التي تعمل على مدار الساعة، أبطالها هي الجزيئات الكيميائية، ومنتجاتها أكثر تعقيدا وإتقانا من أكثر السيارات تقدما، وتزيد عليها أن منتجات الكائنات الحية هي جزء من منظومة لا محدودة من الآلات التي تعمل معا بتفاعل وتناغم مدهشين لتحافظ على حياة الكائن الحي، بينما السيارة آلة مفردة مستقلة.

ولنضرب لذلك مثالا بعملية تخثر الدم، كلنا يعرف أنه الدم الذي ينزف من أي جرح يصيب الإنسان، ما يلبث أن يتخثر فيسد الجرح، ولكن الذي لا يعلمه الكثيرون أن هذا التخثر يتم عبر سلسلة معقدة من العمليات ،  أي عبر خط إنتاج محكم دقيق مشابه لخط الإنتاج الصناعي من حيث المبدأ، إذ يمر بمراحل متوالية متسلسلة تؤدي كل منها إلى ما بعدها حتى يتم الإنتاج على أكمل وجه، وبشكل دقيق محكم، ولو حصل أي خلل في تسلسل هذه العمليات فإن ذلك سيؤدي إلى هلاك الكائن الحي، إما بسبب النزيف حتى الموت، أو بسبب تشكل تخثرات كبيرة تسد مجرى الدم،  فهو كما سنرى ينطبق عليه تعريف (تعقيد غير قابل للاختزال).

ولتبسيط شرح هذه العمليات المعقدة يمكن تقسيمها إلى مراحل:

الخثرة الأولية: استجابة الصفائح الدموية للخطر

الصفائح الدموية هي جسيمات بروتينية موجودة في السائل الذي يحتوي مكونات الدم، (ويسمى “بلازما الدم”)، جنبا إلى جنب مع بقية مكوناته الأخرى مثل الكريات الحمراء والبيضاء وغيرها، وهي تجري في العروق بانسيابية وسلاسة، ولكن عندما يحدث جرح في جسم الإنسان، تأتي رسالة استغاثة من جدار الشريان أو الوريد المجروح إلى تلك الصفائح، فتقوم فورا بإعلان حالة الطوارئ، وهذه الرسالة يحملها بروتين اسمه (كولاجين) Collagen  وهو موجود خارج الأوعية الدموية، وبمجرد أن يحصل الجرح، يتم الاتصال بينه وبين الصفائح المجاورة للجرح، فيقوم بتحفيزها، ويحولها إلى صفائح ذات سطوح لزجة، ثم تندفع   نحو المكان المجروح، وتلتصق ببعضها عبر هذه السطوح اللاصقة لتشكل ما يمكن اعتباره سدادة مؤقتة، أو سدادة طوارئ، تتوضع على الجرح وتسده لتحد من النزيف.

 تكوين شبكة تقوية للخثرة الأولية بواسطة عوامل التخثر
إن السدادة التي تكونها الصفائح الدموية تكون هشة طرية، تقوم بعمل مؤقت وتحتاج لتقوية حتى يكون وقف النزيف محكما،  وهذه التقوية تتكون بطريقة عجيبة مذهلة، وبالتوازي مع المرحلة الأولى، ويقوم بتنفيذها بروتينات وأنزيمات تسمى عوامل التخثر، وظيفتها هي التحكم بتخثر الدم وبسيولته، وكلها موجودة أيضاً في بلازما الدم، وتعمل  معاً بطريقة تسلسلية مدهشة، لتصل في نهاية المطاف إلى الحصول على مادة تسمى (فايبرين) Fibrin  (كلمة Fibrin  مشتقة في الإنكليزية من كلمة Fiber  أي ليف، وقد عربت المجامع العربية كلمة Fibrin  إلى “ليفين”) وهذه المادة هي عبارة عن ألياف دقيقة ذات أطراف لزجة أو لاصقة، تتدافع وتتكاثف ناحية الجرح، ثم يلتصق بعضها ببعض بشكل هندسي متناسق متداخل، لتشكل شبكة أشبه ما تكون بشبكة الصياد، تحيط بالسدادة الأولية التي شكلتها الصفائح الدموية حول الجرح، فتضغط عليها وعلى ما يحيط بها من كريات الدم، لتشكل مع السدادة الأولى والكريات المحبوسة خثرة دموية قوية تسد الجرح وتوقف النزيف.

ولكن كيف يحدث ذلك؟
إن مفتاح هذه العملية كلها هي مادة موجودة في بلاسما الدم اسمها (فايبرينوجين) Fibrinogin ، وتشكل هذه المادة ما يتراوح من 2 إلى 3% من البلازما، وتكون في الحالة العادية ذائبة في الدم كما يذوب الملح في ماء البحر، ولكن عندما يحدث جرح في الوعاء الدموي، يتم إعلان حالة الطوارئ، فتندفع مادة تسمى (ثرومبين) إلى جزيئات الفايبرينوجين الموجودة في موقع الجرح، وتنزع عنها بعض البروتينات، لتتحول من فايبريجين إلى فايبرين، وتندفع جزيئات الفايبرين إلى الجرح لتشكل الشبكة التي ذكرناها آنفا، ولكن….
من أين جاء مركب الــ (ثرومبين)؟ هل كان موجوداً في الدم أصلاً؟  إذ لو كان في الأصل فعالاً لقام بتحويل الـ فايبريجين إلى ليفين ولتشكلت خثرات دموية داخل العروق، دون أن يكن هناك جرح، فتسدها وتمنع جريان الدم فيموت الكائن الحي، والجواب نعم موجود ولكن بصيغة كامنة غير فاعلة تسمى (بروثرومبين)، (وهي مزيج من مقطعين: “برو”،أي ما قبل، و”ثرومبين”، أي مادة ما قبل الثرومبين)

وحتى يتحول مركب البروثرومبين إلى ثرومبين يحتاج إلى ما يحفزه، والمركب الذي يحفزه يحتاج أيضاً إلى ما يحفزه… وهكذا، والسؤال هنا هو:  أين تبدأ هذه السلسلة من التفاعلات المتتالية والتي تنتهي بتشكل الفايبرين؟

خطوط الإنتاج العجيبة: تسلسل وتناسق

مخطط تخثر الدم

مخطط مبسط يوضح تسلسل عملية تخثر الدم

الجواب هو أن انطلاق هذه السلسلة يبدأ بتمزق نسيج الوعاء الدموي، وختامها يتم بالتئام الجرح، وتكون المركبات والبروتينات والأنزيمات المشاركة فيها كامنة في الدم تنتظر الإشارة ليبدأ مسلسل تحفيزها،  وهذه الإشارة تنطلق من جدار الوعاء الدموي، الذي تحوي طبقته الداخلية على مادة تسمى العامل النسيجي، Tissue Factor وهو مركب  يوجد في طبقة رقيقة جدا تبطن الجدار الداخلي للوعاء الدموي، فإذا ما تمزق جدار الوعاء، ينطلق العامل النسيجي، معلناً حالة الطوارئ، ومؤذناً ببداية عملية التخثر،  فهو الذي  يُحفز بداية العملية التي تنتهي بتشكل الثرومبين، الذي يحفر الفايبربنوجين ليتشكل الفايبرين كما سبق وذكرنا آنفاً

وما بين إطلاق العامل النسيجي، وصولاً إلى تشكيل الفايبرين، هناك سلسلة معقدة متسلسلة من العمليات، يجد القارئ الكريم مخططا مبسطاً لها في الشكل المرفق، (وهو مختصر جداً للتبسيط)، ولا يهمنا هنا أسماء المركبات، فهي كأسماء فريق كرة القدم، لا يهم من يمرر الكرة من أول الهجمة لآخرها، ولكن المهم أن يتحقق الهدف وتسكن الكرة الشباك.

وهذه العملية المعقدة، تتم عبر خطين من خطوط الإنتاج:
خط الإنتاج الأول: ويسمى المسار الخارجي، لأنه يبدأ خارج الوعاء الدموي، حيث يقوم العامل النسيجي المذكور أعلاه بتحفيز عامل (برثرومبين) ليتحول إلى  (ثرومبين)، بكمية قليلة، ولكنها مؤثرة جداً، فهي تقوم  وبشكل عاجل بتحويل بعض جزيئات الفايبرينوجين الموجودة في بلازما الدم، إلى فايبرين، ليقوم بتشكيل شبكة أولية تحيط بالسدادة التي سبق أن شكلتها الصفائح الدموية لتقويتها، ولكن هذه الشبكة أيضاً غير كافية، ولا بد من تقويتها، لأن تشكيل شبكة متينة تعمل كخثرة دموية تحاج لملايين الجزيئات من الفايبرين، وهنا يأتي دور آخر يقوم به عامل ثرومبين، عبر خط إنتاج آخر.

خط الإنتاج الثاني: بالإضافة لما يقوم به عامل ثرومبين عبر الخط الأول،  يقوم أيضاً بتحفيز المزيد من عوامل وأنزيمات التخثر الكامنة في الدم، والتي تقوم بدورها بتحفيز المزيد من مركب (البروثرومبين) ليتحول إلى مزيد من مركب ثرومبين، (أي إننا هنا في دائرة مغلقة، ثرومبين.. يفعل عوامل تخثر… فتفعل بروثرومبين… ومن ثم ثرومبين، وكأن ثرومبين يستعين بأصدقائه من عوامل التخثر لإنتاج المزيد منه!)، وهذا بدوره يقوم بتحويل المزيد من الفايبرينوجين إلى فايبرين، فتتقوى الشبكة ويصبح لدينا خثرة دموية متينة قوية تمنع تسرب الدم خارج الوعاء الدموي، وهذا المسار يسمى المسار الداخلي، لأنه يتم كله داخل الوعاء الدموي، ويلاحظ أن المسارين الداخلي والخارجي يلتقيان معا في مسار مشترك كما هو واضح من المخطط المرفق.

هكذا بدأت.. فكيف تتوقف؟
هذا عن بداية عملية التخثر وتسلسلها المدهش، فماذا عن نهايتها؟ كيف تتوقف؟
يأتي هنا دور ثالث يقوم به مركب (ثرومبين)، فهو يقوم أيضاً بتحفيز مادة اسمها (بلاسمينوجين)، موجودة في بلاسما الدم، لتتحول إلى (بلاسمين)، وهذه الأخيرة هي مادة مثبطة للتخثر، تعمل على إيقاف تشكل المزيد من الفايبرين بعد أن تكتمل الشبكة وتقوى، لأن عدم توقف عملية التخثر وتشكل كميات زائدة عن الحاجة من الفايبرين تشكل خطرا على حياة الكائن الحي، حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى انسداد الوعاء الدموي، فتقوم مادة البلاسمين، بتحفيز سلسلة من العمليات، ينتج عنها أنزيمات وعوامل مضادة للتخثر، تقوم بتثبيط العملية ومن ثم إيقافها تماما، ثم بعد ذلك يتم العمل ببطء على إذابة الشبكة أو الخثرة، عن طريق سلسلة أخرى من المحفزات، والمدهش أن سرعة إذابة الخثرة وامتصاصها ضمن مجرى الدم تعادل سرعة التئام الجرح، فلا يشعر الجريح إلا وقد التأم الجرح وفي الوقت نفسه اختفت الخثرة التي كنت تسده.
ولتلخيص ما سبق من تعقيد، يمكن تقسيم عملية تخثر الدم إلى أربع مراحل:
أولاً: تشكيل سدادة من الصفائح الدموية، ويتم إطلاقها أو تحفيزها بواسطة مادة الكولاجين.

ثانياً: تشكيل شبكة أولية تقوي السدادة من مادة الليفين، الذي ينتج عن تحفيز الثرومبين، ويتم تحفيزها بواسطة العامل النسيجي.
ثالثاً: تشكيل المزيد من مادة الثرومبين ليقوم بإنتاج المزيد من الفايبرين من أجل التقوية النهائية للخثرة الدموية.

رابعاً: تشكيل العوامل المضادة للتخثر والتي تقوم بإيقاف عملية التخثر ببطء فور اكتمالها حتى لا تتسبب في جلطات مميتة، ويتم تحفيزها بواسطة مادة البلاسمين.

خامساً: الامتصاص البطيء للخثرة الدموية في بلازما الدم بشكل يتزامن تماماً مع سرعة التئام الجرح

بيت القصيد
والذي يهمنا من ذلك كله هو  الطبيعة التسلسلية المحكمة لهذه العملية،  وهي مثلها كمثل خط إنتاج السيارة الذي رأيناه آنفاً، ينطبق عليها وصف (التعقيد غير القابل للاختزال)، فلو حذفنا منها أية مرحلة من مراحلها، لما تمت العملية برمتها، ولما تخثر الدم، ذلك أن كل مرحلة منها تعتمد تماماً على التي قبلها، ولا بد لتتم كل مرحلة من وجود المركب الذي يقوم بها ولكن بشكل كامن، ومن وجود المركب الذي يحفزه أيضاً، وأن يتم التحفيز في الوقت المناسب تماماً، فكيف تطورت هذه العملية عبر الطفرات المتراكمة، وكيف اتفق أن توجد كل هذه المركبات في صيغها الكامنة، وأن تتفعل الأنزيمات أو المحفزات اللازمة لعملها في القت المناسب والمكان المناسب؟ (علما أن هناك أكثر من خمسين مركبا وبروتينا وأنزيماً يشاركون في عملة تخثر الدم، ولم نذكرهم جميعا للاختصار وعدم الإطالة على القراء الكرام).

إن من يزعم أن عملية تخثر الدم وأمثالها نشأت نتيجة تراكم الطفرات العشوائية، هو كمن يزعم أن جماعة مروا بكومة ضخمة من الخردة والمواد المختلفة، فعبثوا بها (أقول عبثوا لأن الدارونيين يقولون إنه لا يوجد تصميم مسبق، بل هي طفرات عشوائية)، وصفوا وركبوا بعضاً منها ثم مضوا، وإذا الذي حصلوا عليه هو الجزء الأول من خط إنتاج سيارة، ثم جاء من بعدهم جماعة أخرى، فعبثوا بكمية أخرى من المواد وصفوها إلى جانب سابقتها، ثم مضوا، وإذا بنا نحصل على الجزء الثاني من خط التصنيع، ثم تتابعت الجماعات، كل جماعة تعبث فتحصل على مرحلة جديدة، وبعد أزمان ودهور من تتابع الجماعات، حصلنا على خط كامل لإنتاج السيارات، يعمل بدقة وإتقان وينتج سيارات كاملة قابلة للاستخدام، علماً  أن كل الجماعات التي مرت، لم يكن لديها تصميم مسبق لما سيكون عليه هذا الخط عندما ينتهي “بشكل كامل”، ولم تكن تعلم ماذا ستفعل الجماعة التي بعدها. (نذكر قراءنا الكرام بالخط الأحمر الذي وضعناه تحت عبارة “بشكل كامل” عند الحديث عن خط إنتاج السيارات أول المقال).

إن كان هذا الكلام يمكن تصديقه، فيمكن إذن أن نصدق أن عملية تخثر الدم وأمثالها نشأت بواسطة التطور الداروني.

ثم دعونا نسأل: هل كانت عملية تخثر الدم موجودة مع أول كائن حي نتج عن التطور وله دورة دموية؟ إن كان الجواب لا، بل قد تطورت تدريجياً، فهذا محال، لأن هذا الكائن لن يستمر في الحياة وسينقرض قبل أن يتطور، حيث إن دمه سينزف حتى الموت عند أول جرح أو خدش، وإن كان الجواب نعم، لقد كانت آلية تخثر الدم موجودة عند أول كائن ذي دورة دموية، فسنقول: إن هذا لو حصل يدحض تماماً نظرية التطور، حيث إن الوصول إلى مثل هذا النظام المعقد، بشكل مباشر وبهذه الدقة، لا يمكن أن يحدث بطفرة واحدة، بل يحتاج (حسب نظرية دارون نفسها) إلى عدد ضخم من الطفرات العشوائية المتراكمة عبر زمن سحيق من الدهور، أو يحتاج إلى أن يكون وراءه مصمم خبير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى نسألهم جدلاً: وهل كان هذا النظام (لو فرضنا جدلاً أنه نشأ بطفرة واحدة) يحتوي أيضا على طريقة لإيقاف التخثر في الوقت المناسب والمكان المناسب والسرعة المناسبة؟ فإن قالوا لا، قلنا لهم: هذا محال لا، من شأن ذلك أن ينقرض هذا الكائن لأن دمه سيتجلط كله عند أول جرح، وإن قالوا: نعم، فسنقول لهم، عجبا لهذه الطفرة  الخارقة، التي ينتج عنها دفعة واحدة نظام كامل متكامل معقد دقيق محسوب، وفي الوقت نفسه ينتج عنها نظام معاكس له لا يقل عنه دقة ولا تعقيدا ولا حساباً ولا إتقانا!!

لم يتمكن الدراونة حتى الآن من إثبات أن عملية تخثر الدم (وكذلك ما لا يكاد يحصى من العمليات الأخرى المشابهة في خلايا الكائنات) ناتجة عن آليات التطور، وكل ما يقولونه هو تلك العبارة التي لا يملون من تردادها دون دليل أو إثبات: إن تراكم الطفرات الجينية على مر عصور طويلة كفيل بأن ينتج عنه تطور أي نظام معقد معروف.
نحن يا سادة في عصر العلم، عصر التجربة والبرهان والدليل، فعليكم أن تثبتوا لنا بالدليل والبرهان والتجربة العلمية الموثقة، كيف تطور نظام تخثر الدم، وأن تثبتوا لنا أن أسلافنا لم يكن لديهم هذا النظام، أو كان لديهم نظام بدائي ثم تطور حتى وصل إلى ما وصل إليه،  وسنتبنى نظريتكم إن أثبتم ذلك بالدليل العلمي القاطع.
وهنا سينغضون إليك رؤوسهم ويقولون: هل تريدن أن تقولوا إن هذا النظام من صنع وتصميم قوة خارقة عليا؟ أنتم تريدون جرنا لإيمان بالله وهذا ليس من العلم، وهنا سنقول لهم: دعكم من هذه الطريقة المعروفة في التهرب من الجواب، لا تقفزوا خطوة للأمام قبل أن ننتهي من الخطوة السابقة، فإن أثبتم أن هذا النظام تطور حسب نظرية دارون، سنؤمن معكم بها، وإلا فدعونا نشطب هذه النظرية من قاموس العلوم ونبحث معا عن جواب مقنع، وما أوضحه وما أسهل الوصول إليه إن تجرد الباحث عن هوى نفسه واتبع المنهج العلمي الصحيح المبني على التجربة والبرهان والدليل القاطع.

 

يسعدنا تعليقكم

 
 
  1. عبد الله صدّيق

    09/07/2015 at 6:21 ص

    و يسألونك عن الروح