شكرا شباب سورية

26 أغسطس
فداء ياسر الجندي 
_
شكرا شباب سورية..لقد بعثتم فينا الأمل بعد أن كاد يخبو، وقضيتم على يأسنا بعد أن كاد يقضي علينا، وأثبتم أن صمتكم لم يكن جبناً ولا ضعفاً، بل كان كصمت البراكين قبل ثورانها، وصمت العواصف قبل هبوبها.
شكرا شباب سورية، لقد أتبتم أن الذهب يبقى ذهباً مهما تعاورت عليه أيدي العابثين والمفسدين، وأنه يستعصي على الصدأ والفساد، وأنه مهما رانت عليه من طبقات القهر والهم والظلم والقمع فإنه يوم تصقله هممكم وسواعدكم وإصراركم يظهر أصله ولمعانه، وصدق من قال في دمشق:
صبراً دمشق على البلوى فكم صُهِرَت
سبائك الذهب الغالي فما احترقا
شكرا شباب سورية، لقد برهنتم على أن الدم الأموي الذي جرى في عروق أجدادكم ففتحوا الدنيا وملؤوها علماً وحضارة وسلاماً وأمنا وتقدماً، برهنتم أن هذا الدم لا زال يجري في عروقكم، بل أزعم أن صروف الدهر التي مرت بكم قد زادته أصالة ومجداً، ولئن هاجر صقر قريش إلى الأندلس ليجد فيها أنصاراً وموالي وأتباعا، فأنتم ثبتم في الشام ثبات الجبال الراسيات، وخبأتم للنظام الظالم الباغي ما لم يكن يتصوره في أسوأ كوابيسه.
شكرا شباب سورية، لقد أثبتم أن شجرة الإسلام التي زرعها سيف الله ابن الوليد وإخوانه الصحابة في أرضكم، هي شجرة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وأنها ما زالت تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وستبقى كذلك إن شاء الله إلى بوم الدين.
شكراً شباب سورية، لولاكم لما كانت هذه الأرض المباركة جديرة بأن تكون مرقداً لأكبر عدد من الصحابة والتابعين والعلماء والصالحين.
شكراً شباب سورية، بفضلكم علمنا أن نداء بلال الحبشي الذي يرقد بسلام في أرضكم لا زال صادحاً يبعث فيكم روح الإيمان والجهاد التي حوَّلته من عبد ذليل إلى مجاهد عظيم، ورمز للحق والتوحيد.
شكرا شباب سورية، أنتم من أبطل الأمثال التي سادت حقباً بين الخائفين والمرجفين، قد علمونا (امشي الحيط الحيط وقول يا رب السترة)، وأنت تمشون في وضح النهار وتحت أزيز الرصاص وتجهرون بالحق، قد علمونا (اليد التي لا تقدر عليها بوسها وادعي عليها بالكسر) و ها أنتم تبصقون على اليد الظالمة وتكبلونها تمهيدا لقطعها، قد علمونا (العين لا تقاوم المخرز)؟ وها هي عيونكم تقاوم الحديد والنار والقهر والظلم، ولعمري فإن من أطلق هذا المثل لا يعلم أن العين الضعيفة تصبح بالإيمان حجراً أصماً يستعصي على الكسر، وأن المخرز الحاد القاسي يصبح بالظلم والطغيان قشة واهية، وهباءً منثوراً.
لقد دأبوا على تلقينكم هذه الأمثال، وغاب عنهم أنكم من أمة قال شاعرها القديم:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه
ونكَّب عن ذكر العواقب جانباً
وقال شاعرها المعاصر:
وما استعصى على قوم منالٌ
إذا الإقدام كان لهم ركاباً
شكراً شباب سورية، لقد ظن النظام أنه نجح في تطويعكم وتدجينكم، لأن جيلكم بكامله قد تربى في أحضانه، من الطفولة حتى التخرج من الجامعة، مابين طلائع البعث في المدارس الابتدائية، وشبيبة الثورة في الإعدادية والثانوية، واتحاد الطلبة ي الجامعة، وحزب البعث بعد ذلك، فحسب النظام أنه بذلك قد ضمن ولاءكم، ولكنه نسي أن موسى قد تربى في حضن فرعون فكان سقوط فرعون على يديه، ذلك أن إرادة الله فوق كل إرادة، ألم يقل سبحانه: “ونريد أن نَمُنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون”، قد نفذت إرادة الله في فرعون وهامان وجنودهما، وها نحن نرى اليوم بشائر نفاذها في ماهر وبشار وجنودهما، ولا نشك في أن الله غالب على أمره.
شكراً شباب سورية، لكأن الله اطلع على قلوبكم، وعلى عزمكم وإصراركم، وعلى معدنكم الأصيل وإيمانكم العميق، فشاء سبحانه أن تجري سننه في الظالمين على أيديكم.
شكراً شباب سورية، تكتبون اليوم صفحة جديدة مشرقة من تاريخ بلادكم، ليكون حاضرها المزهر امتداداً لماضيها المشرق، ولا أملك إلا أن أردد مع أحمد شوقي قوله:
يا فتية الشام شكراً لا انقضاء له
لو أنَّ إحسانكم يجزيه إحسانُ
ما فوق إحسانكم يوم السماح يدٌ
ولا كأوطانكم في البِشْر أوطانُ 
 

يسعدنا تعليقكم

 
 
  1. أهل الراية

    04/11/2012 at 11:04 ص

    جزاكم الله خيراً من أمتع وأروع ماقرأت
    كلام يجمع بين العزة والكرامة حسب مفاهيمنا وقدواتنا وأجدادنا

     
  2. جابر العثراتت

    04/11/2012 at 11:15 ص

    أذكر منذ بداية الثورة يوم قلت لأحد الأفاضل من المعلمين في أشهر المدارس في دمشق أننا سنسقط هذا النظام بإذن الله …. فقال لي إن العين لاتقاوم المخرز …. فألهمني الله باجابته … أن من في الشارع بمظاهراتهم هم المخرز والذي سيفقئ عين الطاغوت …
    فعلاً لم يعلمونا إلا الإنكسار والخضوع لأنهم استكانوا الى وهم قد صنعوه بأنفسهم

     
  3. مهند

    03/05/2013 at 6:56 م

    ماشاء الله
    كلام من القلب يلمس شغاف القلب
    وفقك الله لما يحب و يرضى
    فعلاً معجب في حضرتك.