وأخيرا…مسلسل عمر على الشاشة

29 يوليو

 فداء ياسر الجندي –


— وأخيرا قطعت جهيزة قول كل خطيب، وبدأ عرض مسلسل عمر، وظهر ممثلون في أدوار الصحابة، وتم اعتماد فتوى الإباحة من قبل الجهات المنتجة للمسلسل، وهي فتوى من علماء كبار معتمدين يؤخذ عنهم، وتبين لنا كم كنا سنفوت من الخير والعلم والمتعة، لو أن من أنتج المسلسل أخذ بالفتوى الأخرى، فتوى من حرم ظهورهم، وهي فتوى نحترمها ونقدرها ونحترم من يأخذ بها، لأنها أيضا صادرة عن علماء كبار معتمدين يؤخذ عنهم، ومن ارتاح لها فلا يتابعن المسلسل، وعسى أن يتوقف الآن الجدال حول هذا الأمر، الذي كان الموضوع الرئيسي في كل ما كتب حول الملسسل، حتى الآن، وتكون الحوارات المقبلة نقدا بناء حول محتوى المسلسل.

لم يخيب العملاقان المبدعان، الكاتب  د. وليد سيف  والمخرج حاتم علي أملنا، فكان هذا العمل حقاً درة تاج أعمالهما التاريخية السابقة، وكأن أعمالهما السابقة كانت عملية (تسخين) لإنتاج هذا العمل، نقول هذا ولم يعرض حتى كتابة هذه السطور سوى حلقات سبع من المسلسل، ولكن الرياح التي هبت علينا منها تنبئ بغيث عميم.

منذ اللقطات الأولى، والجمل الأولى في الحوار، يدرك المشاهد أنه امام عمل مميز لم يدخر منتجوه ولا العاملون فيه جهداً في جعله كذلك، وإذا كان نص الحوار هو لب العمل وأساسه، فإن الحوار الذي كتبه د وليد سيف هو حوار مبهر بحق،ليس فيه تكلف ولا حشو، ولا أبالغ إن قلت إن الكثير من الحوارات التي شاهدناها،  هي قطع فنية لغوية جميلة، تعكس العصر الذي حدثت فيه الأحداث، عصر البلاغة والفصاحة، مع تجنب التقعر والتصنع، واعدم استخدام الكلمات الغريبة التي قد ل يفهمها أبناء اليوم، أوالعبارات المحدثة التي لم تكن مستخدمة في ذلك العصر، غير أنه في الوقت نفسه مفهوم تماما، لا يكاد يميز المشاهد فيه بين العبارات التاريخية المعروفة التي نقلتها كتب السير، وبين العبارات التي صاغها الكاتب لتكمل المشاهد الدرامية، مما يثبت أن الكاتب متمكن من لغة العصر الذي يكتب له، إضافة إلى خلوه من الحشو والتطويل، بل إن الإيجاز من أهم ميزاته، لدرجة أن بعض المشاهد لا يزيد فيه الحوار عن خمس جمل، ولكنها كافية لرسم الصورة التي يريدها الكاتب وإيصال المعنى المطلوب.

ومن أهم ميزات هذا العمل، وكل أعمال هذا الثنائي المبدع (وليد وحاتم)، أنه لا يضحي بالتاريخ من أجل الدراما، بل للتاريخ الأولوية القصوى، وفي الوقت نفسه فإن براعته في كتابة الحوار تضفي عليه تشويقا درامياً يجعل المتابع متسمرا أمام الشاشة، فأعمال هذا الثنائي من النوادر التي تجمع بين التشويق الدرامي، والأمانة التاريخية، ومن علامات ذلك أن الحلقات التي تم بثها حتى الآن، لم يكن ظهور شخصية عمر هو الغالب على مشاهدها، بل كان ظهوره وكأنه ثانوي، وربما ظهر بلال ووحشي وأبو جهل أكثر منه، وذلك لأن السياق التاريخي والأمانة العلمية تتطلب ذلك، في حين نرى في أعمال أخرى أنهم يكتبون المسلسل التاريخي على مقاس الممثل البطل، لا على متطلبات الشخصية التاريخية، كما شاهدنا سابقاً في مسلسلات كثيرة يعرفها المشاهدون، حيث نرى الكاتب ينسب إلى الشخصية التي هي موضوع المسلسل وعنوانه كل مكرمة حدثت في عصره، وينسب إليه الكثير مما لم يفعله ،ويصور معظم الشخصيات التي حوله وكأنها توابع وأقزام تعيش في ظله، فيغمط أهل عصره حقهم، والغاية هي التضخيم الدرامي لشخصية البطل، وإعطاء الممثل الذي يقوم بدوره أكبر مساحة  من الظهور على الشاشة، فيضحى بالتاريخ على حساب الدراما، وظنا منه أن المسلسل إن كان من بطولة فلان أو فلانة، فسيحظى بالقبول بغض النظر عن قيمته التاريخية والفنية.

ومما لاحظناه فيما عرض من حلقات مسلسل عمر الفاروق، القدرة الفائقة للكاتب والمخرج على رسم الشخصيات، وبعبارات موجزة، فلا نرى الشحصية تنطق إلا بما يعبر عنها، ولو أخذنا كمثال على ذلك، الحوار القصير الذي دار بين عمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص، وخالد بن الوليد حول هجرة المسلمين إلى الحبشة، نجد بوضوح أن الأول يتكلم بلسان الحكيم العاقل والحصيف المشفق، والثاني بلسان الداهية الذكي الفطن، والثالث بلسان القائد العسكري البارع، وعلى هذا المنوال ينسج د وليد سيف حواره، ليرسم الشحصيات بطريقة مبدعة، ثم يأتي حاتم علي، فيضفي عليها من الحياة والحركة بحسن اختيار الممثلين، وبتسخير مواهب كل منهم ليخدم شخصيته، ثم بما يضفيه أسلوبه الإخراجي المميز على العمل، فنشعر وكأنه قد بعث التاريخ حياً أمامنا، ولا نشك أن المنتجين لم يبخلوا على العمل بكل ما يتطلبه من وسائل وأدوات وإمكانيات، فجاء العمل ضخما مميزاً، ككل أعمال هذا الثنائي المبدع، وليد وحاتم.

ومن مزايا  ما يكتبه د وليد سيف، أنه يسلط الضوء على جوانب مهملة من الحدث التاريخي لم يتطرق إليها أحد قبله، رغم أهميتها وتأثيرهافي الحدث، من ذلك مثلاً إظهاره لشخصية أبي حذيفة ومولاه سالم، فلم يمر بنا أي عمل تاريخي يسلط الضوء عليهما رغم أنهما صحابيان جليلان، ورغم أن سالم من كبار الصحابة وشهدائهم، ومن الأمثلة الأخرى،  شخصية سهيل بن عمرو، وهي شخصية سيكون لها شأن عظيم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن تاريخها قبل ذلك يكاد يكون مجهولا للناس، فسلط الكاتب الضوء عليه، وبين تاريخه قبل إسلامه،  وأظهره للمشاهدين بشكل واضح

وأخيراً فإن عين الرضا التي نظرنا بها إلى هذا العمل، لم تكن كليلة عن التقاط بعض الهنات والملاحظات حوله، منها مثلاً أننا كنا نفضل لو اختار المخرج لشخصية أبي بكر ممثلا آخر غير غسان مسعود، لا تقليلا من شأن الممثل فهو من أفضل الممثلين، ولكن لأنه معروف في شخصيات أخرى، ولاحظنا أن لهجته وأسلوبه مشابه لما شاهدناه عندما قام بدور القاضي الفاضل في مسلسل صلاح الدين، فلو أن مثلا جديدا قام بالدور، كما هي الحال في عمر، لكان أفضل.
ومن الملاحظات أن بعض الممثلين لم يتم تدريبهم بشكل جيد على مخارج الحروف في اللغة العربية من حيث الترقيق والفخيم وإعطاء الحروف حقها عند تلاة القرآن، ونخص بالذكر منهم الممثل الذي يقوم بدور سالم مولى أبي حذيفة، ذلك الصحابي الجليل المعروف بأنه من حملة القرآن الكريم، فإن تلاوة الممثل قرآن ينقصها الكثير من التدريب لتكون لائقة بأن تعبر عن تلاوة ذاك الصحابي الجليل.
وهناك أمر بسيط، وهو اللغط الذي يظهر أحياناً في خلفية الحوار، وخاصة في مجلس قريش أو النجاشي، فإن التصنع واضح فيه، ولا نلاحظ في خلفية المشهد ما يعبر عنه من حركة.

هذه نظرة أولى على المسلسل بعد عرض سبع حلقات منه، ولا زلنا في البداية، إذ لا زلنا فيما قبل إسلام عمر، وعسى أن نلقي عليه نظرات أخر بعد اكتمال عرضه.

 

يسعدنا تعليقكم

 
 
  1. أيمن فائز

    29/07/2012 at 9:07 ص

    شكراً لك على التحقيق العميق، ولا حظتُ أن قصة وحشي مُدخلة ولا داعي لها، وهناك الكثير من الأخطاء اللغوية في كل حلقة.

     
  2. درويش الباتشا

    06/08/2012 at 9:40 م

    أنا واثق من رأيك وإن كنت انت تابعته وكتبت ماكتبت بما رأيت لا بما سمعت فأنا كان موقفي السابق كموقفك على أساس فلم الر سالة في أول نزوله كان عليه لغط أكثر وبعدها تربع كفلم من الرواد لكن ما كتبع الشققي بوجود العودبيد خالد بن الوليد مالسيجارة بيد أبو بكر والأغلاط في الآيات القرآنية وكون عمر يسراوي ففي الاسلام لايوجد أكل باليسار فما تقول في ملاحظات السيد شققي هل صحيحة أم لا والجواب عندك لأن من رأى ليس كمن سمع ….

     
  3. أمــــل

    22/08/2012 at 6:49 م

    بارك الله بكم سيدي ..
    إن التزمنا في كل عمل تاريخي الدقه والصدق واحترام المشاهد و سلامة اللغة العربية كأقل تقدير ..فنحن في تقدم مستمر مهما تعثّرت بنا الخطا …
    ما شاء …أسأل الله أن يعلمني موهبتكم …