في انتظار مسلسل عمر الفاروق

19 يوليو

فداء ياسر الجندي

مع اقتراب الشهر الفضيل، يزداد الجدل والسجال حول مسلسل عمر الفاروق، الذي سيتم عرضه على بعض القنوات الفضائية، ما بين مؤيد لعرضه متشوق له، ومعارض يطالب بحظره، وكاتب هذه السطور من الفريق الأول.

ذلك لأن هذا العمل هو ثمرة تعاون بين قمتين، قل نظيرهما في تاريخ الدراما العربية بشكل عام، والتاريخية بشكل خاص، الا وهما الكاتب الدكتور وليد سيف، والمخرج حاتم علي.

لا نقول هذا الكلام من فراغ، بل استنادا إلى الأعمال السابقة التي أبدعاها، فكانت بحق من أفضل ما أنتجته الدراما العربية من مسلسلات تاريخية، كشفت عورات العديد المسلسلات الاخرى التي كانت تدعي أنها تاريخية، ولم يكن أغلبها سوى قصص وحكايات، شوهت التاريخ بشكل عابث، ومن أمثلة ذلك، مسلسل كان اسمه “رجل الأقدار” تم بثه قبل سنوات، وكانه يؤرخ لحياة الصحابي الجليل عمرو بن العاص، فقد عبث الكاتب والمخرج بتاريخ صدر الإسلام بشكل غير مسبوق، واظهرا الصحابة الكرام بصورة لا ترضي أحداً، وأبعد ما تكون عنهم وعن عصرهم، وحدث ولا حرج عن اللغة الركيكة، والأخطاء الفاحشة، والضعف الدرامي والإخراجي، أما ما أنتجه وليد وحاتم، فلامجال لمقارنته بذاك العمل وأمثاله.
ومن مبررات المعارضين لمسلسل عمر،  أن التاريخ،   موجود في الكتب لمن شاء أن يطلع عليه، فلماذا نعرض نفسنا للمحظورات بعرضه؟

ونحن نقول، لا تحكموا على وليد وحاتم بأعمال غيرهما،  كالذي ذكرناه آنفاً،  بل احكموا عليهما باعمالهما، وانظروا إلى سابق ما كتب د. وليد سيف، هل شوه التاريخ ومسخه؟ أم غربله وأحسن عرضه وتقديمه؟ لنترك الأمثلة تتحدث.

في مسلسل صقر قريش  مثلا، تعرَّض الكاتب لأفول الدولة الأموية وظهور الدولة العباسية، وهو موضوع شائك معقد، كثرت فيه الروايات والاقاويل، ولكن الكاتب قد غاص في بطون الكتب، وغربل الروايات بعين المؤرخ الواعي، ثم كتب لنا هذه المرحلة التاريخية بطريقة غاية في الدقة والأمانة، وبلغة عربية قل نظيرها،  بلغ من إتقانها  أن العبارات الحقيقية التي نقلتها كتب التاريخ، يصعب تمييزها  عن الحوارات التي صاغها الكاتب بنفسه، فتمكن من سرد حدث تاريخي معقد، بشكل سلس جذَّاب، بلغة درامية راقية لا تضحي بالدقة التاريخية،زد على ذلك البراعة الإخراجية التي لم تكن بأقل جودة وإبداعا من السيناريو.

فإن كان تعامل وليد سيف مع تلك الفترة الشائكة بهذه الدقة والأمانة، فلماذا يفترض البعض أنه سيكون أقل حرصاً وتحريا للدقة والأمانة، مع فترة عهد الصحابة رضي الله عنهم، علما أن توثيق فترة الصحابة تاريخيا لا يقاس من حيث صحته ودقته وسهولة موثوقيته ودقته بأي فترة أخرى.

هذا من جهة، أما قول المعارضين إن التاريخ موجود في الكتب، فالتمسوه هناك لا في المسلسلات، فلكل جمهوره وأهله، ولو سألنا المشاهدين عن (صلاح الدين الايوبي) قبل بث المسلسل الذي كتبه وليد وأخرجه حاتم، لم يزد معظمهم عن القول: “هو قائد مسلم  عظيم، انتصر في معركة حطين واستعاد بيت المقدس”، أما المسلسل المذكور، فقد كان قطعة من التاريخ تمشي على الأرض، وكأن الكاتب والمخرج بعثا الحقبة شاخصة أمام أعيننا،  ، وأصبح تاريخ سيرته وتاريخ حقبته كلها معروفا بدقائق تفاصيلها لكل من شاهد المسلسل، بعد أن كان في ذاكرتنا سطرا أو سطرين، وقد ساعد على ذلك اللغة البديعة، والإخراج المتقن، والإسقاطات الرائعة التي قام بها الكاتب والمخرج على واقع بيت المقدس اليوم، دون تكلف أو تمحل أو تلاعب بالأحداث التاريخية، فكان بحق عملا رائعاً، أعادته معظم الفضائيات مرارا وتكراراً، فهل كان من الممكن أن تصل هذه القصة بتفاصيلها تلك  إلى كل من شاهدها لو قلنا إن قصته في الكتب فاقصدوها هناك؟

ومن أهم الحجج التي تسوقها حملة المنع، تمسكهم بفتوى حرمة تمثيل أدوار الصحابة، وهذا حقهم، ولا نعترض عليه، لأن فريقاً من العلماء قد أفتوا بحرمة تمثيل أدوار الصحابة الكرام، ولكننا هناكفريق آخر من العلماء قد أباح ذلك بضوابط، وكلا الفريقين من كبار لعلماء، وللمشاهد أن يأخذ بأي من القولين، طالما أن في الامر سعة، وليس عليه إجماع.
ومما يحتج به المانعون،  قد نراهم يمثلون شخصيات أخرى سيئة أو خبيثة أو هزلية، وفي هذا حط من قيمة الصحابة رضي الله عنهم.

والجواب عن هذا، أن التمثيل صنعة وحرفة لها أهلها، والمطلوب أن يمثل هذه الشخصيات أقدر الناس على تمثيلها، بغض النظر عن خلفياتهم، فإن وجدنا أن أقدرهم شخص تقي نقي لا يظهر إلا في أدوار الخير، فبها ونعمت،  وإلا فلا نحرم الناس من خير كبير بانتظار أن يظهر ممثل من هذا النوع، فليس المهم من يمثل الشخصية، بل المهم هو كيف يمثلها، والمثال خير دليل، لقد قام الممثل السوري باسم ياخور (وهو مسيحي بالمناسبة) بدور القائد الصالح المجاهد التقي النقي، نور الدين زنكي، الذي يعده المؤرخون الخليفة الراشد السادس، فبلغ الممثل من الإجادة درجة جعلنا نحسب  أن نور الدين قد بعثه الله حيا يرزق، لقد أثر فينا، وأبكانا في بعض المواضع، وحرك مشاعرنا وحماسنا مع كل عبارة ومشهد ظهر فيه، ووضعنا في جو الشخصية بشكل رائع، وتعرف الناس من خلاله على سيرة رجل لم يكونوا يعرفون عنه شيئا، فهل يا ترى أثَّر ماضي الممثل ومستقبله، على قيمة شخصية نور الدين أو مكانتها أو تاريخها في عيون المشاهدين؟  نقول ذلك كله مع إعادة التأكيد أنه لو توفر الممثل المناسب الذي لا يشارك في أدوار أخرى لا تتناسب مع تمثيله أدوارا للصحابة، فهذا أفضل وأولى.

أخيرا فإنا لا نزعم أن أعمال د وليد سيف  وحاتم علي خالية من الأخطاء، ولكننا وبناء على جودة أعمالهما السابقة، نقول لهما: ننتظر مسلسل الفاروق بشوق وثقتنا كبيرة بأنكما لن تخيبا أملنا، والشاشة بيننا وبينكم، والقلم جاهز للثناء إن قدمتما ما يرضينا، وللنقد إن قدمتما غير ذلك.

 

يسعدنا تعليقكم

 
 
  1. ماهر سقااميني

    19/07/2012 at 5:50 ص

    سيدي جزاكم الله خيرا على هذا المقال ،وانا ممن يرون مارأيت في أهمية ماقد يعرض على الشاشة الفضية ولا شك ان الدكتور سيف هو خير من يكتب في التاريخ وان كنت أرى صعوبة في تقبل تمثيل أدوار الصحابة رضوان الله عليهم ومنهم الخلفاء الراشدون والعشرة المبشرون بالجنة وآل البيت ،وأخشى ما أخشاه أن يمتد التمثيل غدا الى الأنبياء والرسل عليهم السلام.
    لست أهلا للفتوى ، ولكنني لا أرتاح لتمثيل هذه الأدوار . وجزاكم الله خيرا

     
  2. وحيد محمد

    19/07/2012 at 7:55 ص

    أخي فداء
    شكرا على هذا الطرح، لكن أحب أن أوضح أن النقاش والجدل الدائر حول هذا المسلسل لا ينصب على مدى جودة العمل الفني المقدم، أو على مستواه، بقدر ما ينصب على مشروعية وقدسية تصوير الصحابة وتجسيدهم، وهو أمر لا يمكن التغاضي عنه أو تبريره، مهما كانت جودة ذلك العمل. وعلى ذلك كان على المخرج وطاقم العمل، حل هذه الإشكالية، لتعميم الفائدة واستقطاب أكبر فئة من المشاهدين، ودمتم.

     
  3. فراس مهايني

    19/07/2012 at 9:01 ص

    أخي الحبيب .. جزاك الله خيرا .. طرح مدروس وموضوعي (وهذا حقهم ولا نعترض عليه .. نترك للمشاه .. طالما ليس هناك إجماع).
    لدي شعور .. وسمعته من أكثر من أخ وأخت .. أن وراء هذه الحملة من “يكره” سيدنا عمر لأنه يظهر ما يخفوه على الناس من صلاحه وفضله رضي الله تعالى عنه.
    تماما كما اعترضوا العام الماضي على مسلسل (الحسن والحسين) رضي الله عنهما – لأنه يظهرهما كصالحين من البشر ويظهر حب كل المسلمين لهما – لا فئة معينة فقط – رضي الله عنهما وعلى أبيهما وأمهما، وصلى الله وسلم على جدهما عليه أفضل الصلاة واتم التسليم.

     
  4. لطيف موسى الجمني من جمنة الجنوب التونسي

    19/07/2012 at 9:06 ص

    لطيف موسى الجمني من جمنة الجنوب التونسي الخميس تسعة و عشرين شعبان ثلاثة وثلاثون و اربعماىة و الف ان في وجدان كل مسلم مكانة متميزة للصحابة الكرام رضوان الله عليهم اجمعين فهم الذين اختاارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه و سلم و نشر رسالته لذلك يفتي جمع كبير من علماء الاسلام بتحريم تصوير الصحابة و تمثيل ادوارهم و ظهورهم على الشاشات و هي فتوى معتبرة لكن حين نفكر بمقاصد الاسلام و الدعوة اليه و التعريف بسيرة الصحابة الكرام في زمن لم يعد للكتاب تاثير كبير في حياة الناس لقلة اقبالم على القراءة و في زمن سادت فيه الصورة فان ترجيح القبول بهذه الاعمال الابداعية الدرامية التي تصور تاريخ الاسلام و حقاىقه لنشر الدعوة الاسلامية بشرط مراعاة ما تجب مراعاته في حق هؤلاء المتميزين بان قرنهم خيرالقرون و انهم خير الناس يصبح امرا مقبولا في ظل عدم الاجماع على المنع و مراعاة لمصلحة الدعوة الاسلامية و ليست هذه فتوى شرعية و انما هو تصور فيه استنارة بفتاى سادتنا اهل العلم نور الله بصاىرهم ليقودوا الامة الى ما فيه الخير فهم ورثة الانبياء و الله تعالى اعلم بالصواب

     
  5. أمل

    26/07/2012 at 9:14 م

    السلام عليكم ورحمة الله
    أنا معكم سيدي أنّ الشخصيات العظيمة عندما جسدتها الدراما كان لها أثرٌعظيمٌ في النفس ، حيث أنها رسّخت حقباً تاريخية في الذاكرة ..فإذا نظرنا لما جنينا من فائدتها ربما تقبلناها ..
    وبما أن الأقلية من أبنائنا من يقرؤون ، فلا حرج أن نبتكر لهم ما يدفعهم لحب تاريخهم ..
    وهذا ما رأيته مع أبنائي الطلبة عندما كانوا يتسارعون ليرووا لي أحداثاً تاريخية شاهدوها في الدراما .. ..
    أشكر حرصكم المستمر على فائدتنا .. دمتم سيدي ..
    أمـــــــــــــــل