إلى المتباكين على حقوق المرأة

11 فبراير

فداء ياسر الجندي

فجأة وبلا سابق إنذار، هبطت الرحمة والشفقة وكل معاني الإنسانية على بعض الجهات الإعلامية العربية، وعلى من يسمون أنفسهم “المثقفين”، (وكأن الآخرين جهلة!!)، وكذلك على الكثير من الشخصيات الديبلوماسية حول العالم، مثل هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية وغيرها، هبطت الشفقة والرحمة، وبدؤوا يذرفون دموع التماسيح، على المرأة العربية وحقوقها، لأن هذه الحقوق – كما يزعمون- أصبحت مهددة بأن تتبخر على يد الثورات العربية، ولا سيما أن كل المعطيات تشير إلى أن الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، هي التي ستتولى مقاليد الحكم والتشريع في دول ما بعد الثورات العربية.
ألا إن أمر هؤلاء وأولئك عجيب، قد اتخذوا من حقوق المرأة اسطوانة موسمية، يستخدمونها وقت الحاجة، طبعا ليست حاجة شعوبنا ولكن حاجة مصالحهم، مع أنها أصبحت اسطوانة مشروخة مكررة معادة خرقاء.
وتفنيد زعمهم من وجوه، نسوقها إليهم في أسئلة نطلب منهم الإجابة عليها.
وأول الأسئلة هو، هل اشتكت لكم المرأة العربية وقالت إن حقوقها منقوصة؟ وهل فوضتكم لتطالبوا بحقوقها وتدافعوا عنها؟ المرأة العربية اليوم يا سادتي ليست معزولة عن المجتمع والناس، وليست مقطوعة عن وسائل الإعلام والاتصال، لا يمنعها شيء إن أرادت أن تعبر عن رأيها، وتطالب بحقوقها، فهي الطبيبة والمهندسة، والأستاذة الجامعية والمدرِّسة، والإعلامية والصحفية، والنائبة في البرلمان والوزيرة، ولا يخلو بلد عربي من اتحاد نسائي، ومن جمعيات للعناية بالمرأة والأسرة، لا تعجز عن المطالبة بحقوقها إن أرادت، فكفوا ألسنتكم، وارفعوا أقلامكم، واتركوا الدار لأهلها فهم أدرى بها.
وثاني الأسئلة هو، إن كنتم فعلا حريصين وقلقين على حقوق المرأة العربية، فأين كنتم عندما كانت حقوق المرأة  تداس في تونس، فتحرمها الحكومة الباغية من حقها في ارتداء ما تريد،  وتصبح المرأة المحجبة  مراقبة أمنيا، وكأنها تعمل في تهريب المخدرات،  وتُمنع من دخول الجامعة، والوظائف الحكومية، أين كنتم آنذاك؟ لماذا لم تدافعوا عن حقها في التعليم والعمل، وعن حقها في الحرية الشخصية؟ لماذا لم نسمع منكم آنذاك هذه الأصوات العالية التي تعزف الحان الحرية ليل نهار؟ أم أنكم تريدونها حرية مفصلة على مقاسكم؟ حرية لا مانع فيها من انتهاك حرمة المرأة وتعريتها على الشواطئ، حتى كاد (البكيني) أن يصبح موضوعاً انتخابياً!!.
وأين كنتم حين كان نحيب الزوجات والأمهات والبنات، يعلو مطالباً بالإفراج عن الأزواج والأبناء والآباء؟ الذين  لم يكن لهم من ذنب إلا أنهم خالفوا الحكام في الرأي، وطالبوا بحرية المجتمع، أما علمتم مثلا أن هناك أكثر من سبعة عشر ألف مفقود في سورية وحدها، (كما صرح بذلك المحامي هيثم المالح، وهذه الأرقام لا تشمل الثورة الحالية)، غيَّـبـتهم أقبية السجون قبل أكثر من ثلاثين عاما؟ أين أنتم من حقوق زوجاتهم اللاتي لا تعلمن هل هن أرامل أم لا زلن على عصمة زوج مفقود؟ أين أنتم من أمهاتهم اللاتي قضين العمر حسرة ولوعة، لا يعلمن إن كان أبناؤهم أحياءً فينتظرونهن أم أمواتاً فيدعون لهم بالرحمة، وأصبح أمل كل منهم أن ترى ابنها (أو جثمانه!) قبل أن تموت؟   وكم من أم قد فارقت الحياة  وفي قلبها حسرة،  ولم تعرف مصير ابنها، أليست هؤلاء نساء لهن حقوق؟ أين أنتم من الأوضاع المدنية والاجتماعية والمالية المعقدة الناتجة عن هذه المآسي؟ لماذا خرست ألسنتكم عن حقوقهن ثم انطلقت من عقالها خوفا على منع التعري على الشواطئ؟
ثم نتوجه بعد ذلك إلى الجهات الغربية التي تبكي على حقوق المرأة عندنا،  وعلى رأسهم هيلاري كلينتون، وزيرة خارجية أمريكا، التي تدعي حماية حقوق المرأة، ونريد أن يسمع معها “المثقفون!!” المفتونون بحضارة الغرب، فنقول لها أن تحجز لها مكانا في دار للمسنين من أجل شيخوختها، ونقول لها ثالثاً إن المرأة عندكم أولى بالبكاء على حقوقها، ولو علمت نساؤكم  ما تتمتع به المرأة عندنا من حقوق لقاتلتها عليه بالسيوف، المرأة عندنا يا سيدتي جوهرة مكنونة، وقيمة إنسانية مصونة، وعندكم سلعة رخيصة، وشهوة عابرة، ذلك لأنكم سلبتم المرأة أهم وأغلى حقوقها، وهو العفة، نعم يا سيدتي، العفة، فأصبحت البنت تحمل العار إذا حافظت على عفتها وبكارتها، ويعيرها أقرانها بعفتها، لا بفسادها!! وكان من شأن ذلك أن تحطمت اللبنة الأولى والأهم في المجتمع، وهي الأسرة، حتى وصلت نسبة الولادات خارج إطار الزواج إلى أكثر من نصف المواليد في بعض دولكم، وأصبح الزواج أمراً عزيزاً نادراً، وأصبح الطلاق أمراً عاديا شائعاً، ونسب الطلاق في بلادكم التي تزعمون أنها تعطي المرأة حقوقها أضعافها عندنا، وبعض شعوبكم إلى انقراض بسبب الإعراض عن الزواج وبناء الأسرة، لقد فهمتم حقوق المرأة بما يعاكس الفطرة، لقد كان من حق المراهقات عليكم أن تعلمونهن مسالك الفطرة، من العفة والصيانة والخلق القويم، حتى تعالجوا ظاهرة المراهقات الحوامل التي تئن منها مدارسكم، (تصل إلى ثلث الطالبات في بعض المدارس عندهم)،  ولكنكم عالجتموها بخلاف الفطرة، عالجتموها بتعليمهن أساليب منع الحمل،  وبتوزيع الموانع مجانا عليهن في المدارس، كأنكم تقولون لهن: افعلوا ما شئتم من الفاحش ولكن دون حمل!!، فينغمسن في حمأة الإباحية،فكان من نتيجة ذلك انهيار الأسرة، وعزوف الرجال عن الزواج، وغير ذلك مما ليس هنا مجال الإفاضة فيه.
هذا عن الصبايا، أما العجائز عندكم فأمرهن مأساة إنسانية، فبعد أن تذهب نضارة المرأة، تجد نفسها غالبا بلا زوج ولا ولد، قد عزف الزوج عنها بعد أن ذبلت،  وإن كانت محظوظة وحظيت بولد، فأكثر ما ترجوه منه أن يمن عليها ببطاقة بريدية في عيد الأم أو عيد الميلاد، وتكون نهايتها غالباً في بيوت المسنين، وإن أنس فلن أنسى مشهدا رايته بأم عيني في بريطانيا، أكثر من عشرين امرأة عجوز، أصغرهن جاوزت الثمانين، يمسكن بأيدي بعضهن، ويتكئ بعضهن على بعض،  لأن الواحة منهن لا تقوى على السير وحدها، ويتجولن في الشارع برفقة مشرف دار المسنين، في جولة أشبه بالتنفس الذي يعطونه للمساجين، قد هجرهن الأولاد، ومن قبلهم الأزواج (إن كان لهن أزواج وأولاد).
أما العجائز عندنا، فملكات غير متوجات، لكل منهن ما شاء الله من الأبناء والأحفاد، والبنات والحفيدات، الذين لا همَّ لهم إلا  مجالستها  وخدمتها، ونيل رضاها وبركاتها، طلباتهن أوامر، وكلماتهن حكم، ورضاهن من رضى الله، ووجوههن تشع نوراً وبركة، أين هؤلاء من أولئك؟
إن الثورات أيها السادة والسيدات، ستعيد حقوق المرأة الناقصة، ستعيد لها حريتها في ارتداء الحجاب إن كانت ممنوعة عنه كما في تونس، وستعيد للأرملة والمطلقة وغيرهم حقها في أن تكون زوجة ثانية أو ثالثة أو رابعة في البلاد التي كانت تمنع تعدد الزوجات، وستعيد لها حقها في نفقة الأب والأخ والزوج عليها إن كانت غير مطبقة في بعض البلاد.
اخرجوا يا سادة إلى شوارع دمشق والقاهرة والجزائر ومعظم العواصم العربية، تجدوا المرأة العربية قد تفشى فيها أمران: الأول الحجاب الذي انتشر بلا إرغام ولا إكراه، وأصبح هو الغالب على أغلب الشوارع العربية، والثاني هو العلم والوعي والثقافة والتنور،حتى باتت المرأة عندنا  شريكة للرجل في ثورته، فهي عضده وعونه وسنده، بل وتتظاهر معه أحياناً، وتنظم مظاهرات نسائية أحياناً أخرى، وتشجع زوجها وولدها وأخاها على الثورة، وتصبر على فراقه إن حصل، بسبب سجن أو شهادة،  و لم يعقها حجابها ولا عفتها ولا دينها عن شيء من ذلك، بل كان عونا لها عليه، وكم أسعدتنا المرأة التونسية والمصرية المحجبة وهي تلقي القسم نائبة في ا لبرلمان ممثلة لشعب ما بعد الثورة.
فيا أيها المتباكون على حقوق نسائنا، انصحوا أنفسكم قبل أن تنصحونا، وتعلموا منا بدل أن تعلمونا، ودعونا نبني مجتمعاتنا بما يرضي ربنا، ويناسب بلادنا، فنحن أدرى بما يصلح أمرنا

_

 

يسعدنا تعليقكم

 
 
  1. أمل

    12/03/2012 at 7:51 م

    السلام عليكم سيدي الفاضل ..
    أشكر لكم تشريفي بقراءة مقالتكم التي حرمتمونا منها طويلاً ..
    بارك الله قلمكم .. ونصر قضيتكم .. وأكرمنا بالإفادة من علمكم ..

    .ابنتكم أمل ..