(ويكيبيديا) باللهجة العامية..سوء تقدير أم سوء نيَّة؟

07 ديسمبر

فداء ياسر الجندي

أرأيت إلى من تعطيه شعلة ليستضيء بها فيشعل بها حريقاً؟ أو من تعطيه سيارة فارهة ليتنقل بها بأمان فيستخدمها برعونة فيهلك بها نفسه وغيره؟ ماذا تقول عنه؟

وهل يختلف هذا عمن تعطيه وسيلة من شأنها لم الشمل، ونشر العلم، وتوثيق الأخوة، وإيصال الكلمة والفكرة والصوت إلى ثلث مليار من البشر، هم  عديد أمة العرب، فيأبى كل ذلك ثم يستخدم هذه الوسيلة في نشر الفرقة، وتعميق شروخ الخلاف، والانسلاخ عن إخوة الوطن واللسان، وعزل سبعين مليونا من الناس هم عديد المصريين، عن إخوانهم بقية ثلث المليار؟

أما الوسيلة فهي الشابكة (الإنترنت)، التي أزالت الحدود، وكسرت القيود، وجعلت العالم متواصلاً بشكل لم يكن يخطر في أحلام وقصص كتاب الخيال العلمي، وأما من يقوم بهذا الاستخدام المسيء، فهم فئة لا نحسبها كبيرة من أبناء الشعب المصري العزيز، وهي فئة بالتأكيد لا تمثل هذا الشعب العربي العظيم، الذي يعتز بعروبته ولغته وتراثه وأصله، غير أن تلك الفئة القليلة لم تجد من استخدام للشابكة إلا أن جعلتها وسيلة لعزل الشعب المصري عن لغته وعروبته، فأنشأت قسماً في موسوعة  (ويكيبيديا) الشهيرة، أطلقت عليه اسم (ويكيبيديا مصري)، وجعلته باللهجة المصرية الدارجة، بدلاً من أن تجعله بالفصحى النقية الخالدة، ثم راحت تعمل فكرها وجهدها في وضع القواعد لكتابة هذه اللغة، وقواعد لنحوها وصرفها، وطفقت تضيف المقالات والمواد إليها يوما بعد يوم.

ليس عندي أدنى شك في أن هذا مشروع فاشل أشد الفشل، ولن يكتب له أي نجاح مهما استمر وبذل فيه أصحابه من جهود، وستضاف هذه المحاولة الفجة إلى العديد من المحاولات التي ظهرت في مطلع القرن الماضي وأواسطه، تحاول النيل من لغتنا العظيمة، وتفتيتها وفرْنَجَتِها، فمِن قائل بوجوب الكتابة بالعامية، إلى قائل بضرورة هجر الحرف العربي والكتابة بالحروف اللاتينية، إلى قائل بتغيير قواعد اللغة العربية لتصبح (بزعمهم) أسهل، فنقوم بتسكين أواخر الكلمات هرباً من الحركات الإعرابية (الصعبة المزعجة!!)، إلى غير ذلك من الدعوات الهدامة، وكلها أصبحت تاريخاً نرويه لأبنائنا، وبقيت اللغة العربية شامخة ثابتة راسخة تتحدى عوادي الزمن، بل أزعم أنها تزداد رسوخا يوما بعد يوم رغم كل ما تواجهه من عقبات وحروب.

ألا إن من قام على الـ (ويكيبيديا المصري) لو قرؤوا التاريخ لأراحوا واستراحوا، ولبذلوا جهدهم الضائع هذا فيما يفيد ويوحِّد وينفع، بدلاً من إهداره فيما يضر ويفرق ويقطع.

بل لو أنهم اتعظوا بغيرهم من أبناء الشبكة المعاصرين لكان لهم رأي آخر، فهذا صاحب إحدى المدونات الشهيرة في الخليج العربي، يقول في مقابلة تلفزيونية، إنه عندما أنشا مدونته كان يكتب باللهجة الخليجية، فلم يكن يزورها إلا بعض الإخوة الخليجيين، ثم قرر أن تكون لغتها هي الفصحى، وإذا بعدد الزوار يقفز قفزة نوعية ضخمة، لأن الموقع أصبح يزوره الزوار من كل الوطن العربي، بعد أن كانوا مقتصرين على بعض الخليجيين، وأقول بعض لأن الزوار الخليجيين أيضاً يفضلون استخدام الفصحى في الكتابة والتعبير والتواصل، وقد ازداد عددهم في موقع المدونة بشكل كبير بعد جعلها بالفصحى، وقد أثبت صاحب المدونة حسن تدبيره بهذا التصرف، لأنه أوصل كلمته للأمة كلها، بعد أن كانت لا تصل إلا إلى جزء منها، أما أولئك فقد اثبتوا الغاية في سوء التدبير، حين أعرضوا عن ثلث مليار ليخاطبوا فئة قليلة من المصريين، وأقول قليلة لأن معظم إخواننا المصريين لا أحسبهم يؤيدون الانسلاخ عن العربية الأصيلة.

ومن عبر الماضي أيضا ما حدث للِّغات الأوربية، التي كانت يوما ما لغة واحدة هي اللاتينية، ثم تحولت العاميات اللاتينية إلى لغات هي اليوم الفرنسية والألمانية وغيرها، فهل يريد هؤلاء أن تصبح لدينا لغات مصرية ومغربية وشامية وخليجية وغيرها؟؟ وها هي الدول الأوربية الآن تتوحد في الاتحاد الأوربي، ولا نشك في أنهم يتمنون لو كانت لهم لغة واحدة مثل أبناء العرب، ولكن هيهات.

فلماذا يقوم بعضنا برفس النعمة، نعمة اللغة الواحدة التي تجمعنا؟ أليس هذا من سوء التدبير؟ وأي عاقل يرفض نعمة اللغة الواحدة التي تجمع الشتات وتقرب المسافات؟

لو شطح بنا الخيال فتخيلنا أن كل دولة عربية قام أبناؤها بما قامت به تلك الفئة، فما ذا سيحدث؟ سيكون لدينا العشرات من اللغات، لأن كل دولة فيها أكثر من لهجة، وسيتشتت جهد أبناء العربية في صنع العشرات من الموسوعات بدلاً من اتحادهم على صنع محتوى عربي رقمي يساهم فيه الجميع ويفهمه الجميع ويستفيد منه الجميع.

نحن نقطع بأن مثل هذا لن يحدث لأنه قد تجاوزه الزمان، ولو كان مقدرا له أن يحدث لحدث في الوسائل المطبوعة، لأنه لا توجد في الوطن العربي كله صحيفة يومية واحدة تطبع بلهجة بلادها الدارجة بل الكل يطبع بلغة الضاد، لغة الآباء والأجداد، التي لا نشك في أنها ستبقى لغة للأحفاد.

ثم ما الذي يرجوه هؤلاء في قابل الأيام؟ هل يأملون في أن تصبح المصرية لغة مستقلة؟ وأية مصرية يريدون؟ القاهرية أم الصعيدية أم لغة بدو سيناء أم الإسكندرانية؟ وهب أنهم اعتمدوا إحداها، فماذا سيفعلون بتراث مصر العربي الخالد على مر العصور والذي ليس له إلا العربية وعاء؟ أين سيذهبون بشعر شوقي وحافظ، وروائع العقاد والرافعي، وروايات نجيب محفوظ، ومسرحيات توفيق الحكيم، هل سيترجمون كل ذلك إلى اللغة المصرية المقترحة؟ بل ماذا سيفعلون بالتراث العربي العظيم الذي يتكامل مع ما أنتجته مصر العربية على مر العصور، وهل سيستغني هؤلاء بالتراث الفرعوني الهيروغليفي عن التراث العربي؟ هل سيقومون بترجمة شعر المتنبي وأبي تمام إلى اللغة المصرية؟

تخيلوا معي ترجمة هذا البيت:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه……………..تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

هل سيترجمونه:

مش كل حاجة تتمناها ح تحصل عليها……………أصل الريح ما بتجريش على كيف ا لمراكب

أو قول البحتري:

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً…………………من الحسن حتى كاد أن يتكلما
 

هل يترجمونه:

 

أهو الربيع جالك بيتمختر ويضحك………………ده من كتر حلاوته ح ينطق
 
 (يدحك هي ترجمة يضحك من العربية للمصرية، لأن حرف الضاد لا يوجد في غير العربية!).

قديما قيل، شر البلية ما يضحك، ونحن لا نعلم هل نضحك مما اجترحه هؤلاء مما لا يصلح إلا للضحك والتندر، أم نبكي على هذه الطاقات المهدرة بلا طائل، وعلى وجود أناس بين ظهرانينا يريدون السير عكس التيار، وتفتيت لغتنا الخالدة؟ وهل نغضب منهم لأنهم يحاولون النيل من لغتنا العظيمة؟ أم نشفق عليهم لأنهم قد ارتقوا مرتقى صعباً ليس من ورائه إلا الفشل والخذلان؟

إن كان هؤلاء يفعلون ذلك بسوء تقدير من ورائه قصور في الفهم ونقص في الحكمة، فنسأل الله لهم الهداية، وإن كانوا يفعلونه بسوء نوايا من ورائها مؤامرة على العرب والعربية، فنقول لهم:

يا ناطح الجبل العالي ليكسره………………..أشفق على الراس لا تشفق على الجبل
_______________________________________________________________

 

من كتاب (المعلوماتية في حياتنا…ثمرات وعثرات)، إصدار دار الريادة، دمشق، 2011

 
 
 
 

يسعدنا تعليقكم

 
 
  1. العربي اابن العربي

    09/12/2013 at 4:12 م

    بارك الله فيك وعاشت العروبه وحراسها ولاعزاء لاصحاب النوايا السيئه

     
  2. سفيان المبارك

    25/05/2014 at 6:56 م

    50 سنة من فشل التعليم والصحة وإحساس الوطنية.. كانت تلك ثورات العراق و مصر وسورية.. و الإفكار الإشتراكية الديكتاتورية جلب ما يعتبره المجتمع العربي مفكرين معاصرين بهذه الأفكار المبتذلة.

     
  3. سفيان المبارك

    25/05/2014 at 6:58 م

    بارك الله فيك وبكل ناطق بالضاد.