شهادة مشرقي على الثقافة المغاربية

30 نوفمبر

فداء ياسر الجندي

كلما قرأت أو سمعت أديباً أو مثقفاً مشرقياً، يتحدث عن الأدب والثقافة المغاربية بشيء من التعالي والغرور، أعادني ذلك بضع سنين إلى الوراء، عندما كتب لي أن أمضي شهراً في ربوع المملكة المغربية العزيزة، وخرجت منها يومذاك بمشاعر وانطباعات لا تنسى، لا يكفي مقال للتعبير عنها والتفصيل فيها، إذ ما كان يمر علي يوم إلا وأكتشف فيه شيئاً جديداً من أصالة تلك البلاد وعراقتها، وثقافتها وأدبها، وجمالها وسحرها، وكل ذلك يحيط به جو من الود الشديد، والضيافة الحارة، و الاستقبال الحافل الذي كنا نُقابل أنى ذهبنا، ابتداءً من سائق الأجرة الذي أقلنا من المطار وانتهاء بكل مثقف التقينا به، وكل ذلك لسبب واحد: هو أننا أخوة عرب من بلاد المشرق.

لو أن أدباء الشرق و مثقفيه، قد زاروا تلك البلاد، واطلعوا على ما فيها من أدب وحضارة وثقافة، إذن لشعروا بما شعرت به، من أننا أهل المشرق العربي مقصرون مع إخواننا في المغرب العربي تقصيراً شديداً يصل إلى درجة الجمود

.

عندما كنت أتجول في أحضان مدينة فاس القديمة، أو فاس الباليكما يسميها أهلها، كان من الصعب علي أن أتخيل أني أبعد آلاف الأميال عن بلاد الشام، لأن التشابه الشديد بين هذه البلاد وتلك جعلني أشعر وكأنني أتجول في دمشق القديمة، و أنني في طريقي إلى سوق الحميدية، أو سوق الخياطين أو سوق البزورية، تلك الأسواق الشامية العتيقة التي تتجمع حول المسجد الأموي، كما تتجمع هنا أسواق فاس القديمة حول مسجد القرويين، تشابه في كل شيء، حتى في ملامح الوجوه، وهيئة وحشمة الثياب، وطرق المعيشة.

في مدينة الرباط، سألت عن الحي الذي أستطيع أن أجد فيه المكتبات، وعندما وصلت إليه، خلت أنني في شارع الحلبوني في دمشق، حيث تتجمع المكتبات و دور النشر، ذلك لأن معظم العناوين التي وجدتها في مكتبات الرباط، هي نفسها التي توجد في مكتبات الشام، فغرام أهل المغرب بالثقافة المشرقية كبير كبير، و لا تكاد تسأل عن شاعر أو أديب شامي أو مصري أو عراقي أو خليجي، إلا وجدت مؤلفاته موجودة، و الطلب عليها كبير، غير أن الذي أسعدني وأزعجني في الوقت نفسه، التراث المغاربي الثقافي الكبير، الذي تعج به المكتبات في المغرب، و لا أثر له في مكتبات المشرق، بل لا أثر له في المناهج المدرسية و الجامعية المشرقية. سعدت لوجود هذا الرصيد الثقافي والأدبي الكبير، وامتعضت لإهماله الشديد من قبل أهل المشرق.

لقد اكتشفت على أرفف تلك المكتبات كنوزاً ثمينة ، كان أنفسها ودرة تاجها الشاعر الكبير علّال الفاسي رحمه الله تعالى، وأعترف أن لقائي مع تراثه في مكتبات الرباط كان اللقاء الأول، وأن أول بحث قرأته عنه وعن شعره في المشرق، كان ملفاً خاصاً أعدته مجلة الفيصل السعودية بعد سنتين من عودتي من المغرب، وهذا الشاعر الكبير هو مثال صارخ يبين إهمال المشارقة لإبداع إخوانهم المغاربة، ولا أدري لماذا كانت المناهج المدرسية في بلاد المشرق ، ومازالت، تولي اهتماماً كبيراً بشعراء المهجر، يقابله تجاهل تام للشعراء المغاربة، اللهم إلا قصيدة واحدة للشاعر التونسي أبي القاسم الشابي، درسونا إياها في المرحلة الإعدادية مطلعها:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة           فلا بد أن يستجيب القدر

و كان الأولى بالمشارقة أن يحتفوا بالشاعر الكبير علّال الفاسي، ويجعلوا شيئاً من شعره وأخباره في مناهج أبنائهم الدراسية، لا لغزارة شعره وجودته فحسب، بل لأنه كان لا ينسى المشرق العربي وقضاياه وآلامه فيما ينظم من شعر، فقضايا العرب جميعاً كانت حاضرة دائماً في شعره منذ أن بدأ قرض الشعر في صباه إلى أن توفّاه الله تعالى عام أربع وسبعين وتسعمئة وألف.

و من أمثلة ذلك قصيدة مؤثرة نظمها أواخر العشرينات من هذا القرن، وكان يومها طالباً في جامعة القرويين، عنوانهامجد الشرقتربو أبياتها على المئة، و تدل على نبوغ مبكر، و شاعرية متدفقة، و شعور بالأسى على ما آلت إليه بلاد العرب و المسلمين من تخلف بعد أن كانوا أسياد الدنيا. يقول في مطلعها:

لمن طَلَلٌ في الشرق أصبح خالياً           به أثر للمجد مازال باقياً

يذكّرنا عهداً تحِّن نفوسنا                     إليه  فنجري الدمع أحمر قانياً

يذكّرنا عهد السيادة و العلا                   و عصراً به كنا الملوك المواليا

و يعدد فيها المآثر القديمة، و يتحسر بعدها على ما آلت عليه حال الأمة صاحبة ذلك الماضي المجيد:

و لم تزل الأيام تفعل فعلها                  إلى أن غدا مجد العروبة باليا

ثم يستحث أهل المشرق على إعادة تاريخهم و أمجادهم:

بني الشرق ما هذا الخمول و أنتم          أجلُّ بني الدنيا أصولاً سواميا

وهكذا نرى أن أحداث المشرق وهمومه كانت حاضرة دائماً في شعر علّال رحمه الله، ليس ذلك فحسب، بل لقد كان متفاعلاً مع الرموز الأدبية والوطنية المشرقية، يشاركها أمالها وآلامها وأحزانها، مثل حافظ إبراهيم الذي رثاه بقصيدة مؤثرة مطلعها

ويح نفسي مما تكابد نفسي                من عظيم الأسى و طول التأسي

كما رثى سعد زغلول بقصيدة مطلعها:

أبكل بيت ضائق محزون                    و لكل قلب لوعة و أنين

كل المصائب قد تهون إذا اعترت       و مصاب سعد جلّ ليس يهون

و من أجمل مراثيه و أكثرها شاعرية، مرثيته في أحمد شوقي، والتي تزيد أبياتها على المائة، و مطلعها:

في ذمة الله و التاريخ و الأدب يا شاعر النيل بل يا شاعر العرب

ويقول فيها:

شوقي قضيت فمن للشرق يخدمه        و يبعث الروح فيه بعث محتسب

من للبلاغة و الفصحى يجددها             حتى تعود إلى أثوابها القشب

ومنها أيضا رثاؤه للعلامة سيد قطب في قصيدة مطلعها:
في ظلال القرآن دوماً مشيتا              فعليك السلام حيا وميتا

و له مراثٍ كثيرة في غير هؤلاء من أعلام المشرق، فأين مراثي شعراء المشرق في علّال الفاسي؟ ذلك الشاعر الذي كان من أكبر همومه الدفاع عن لغة الضاد،ولكنه ذنبه أنه كان مغاربياً، ولذلك نرى أهل المشرق قد احتفلوا بقصيدة حافظ إبراهيم التي نظمها على لسان اللغة العربية و هي تدافع عن نفسها، ومطلعها:

رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي و ناديت قومي فاحتسبت حياتي

وهي قصيدة تستحق الاهتمام، و لكنهم أهملوا تماماً و تجاهلوا قصيدتين لعلّال الفاسي في الموضوع نفسه، و هما تفيضان حماساً وغيرة على اللغة العربية، إحداهما مطلعها:

إلى متى لغة القرآن تُضطهدُ                  و يستبيح حماها الأهل والولدُ

و الأخرى يقول فيها :

و كنتم إذا فهتم بها فاح عطرها           و أعيا على مسك و زهر و صندل

و لما أتينا نحن و افتقرت لنا              ضربنا بها الجدران في كل منزل

فلا عجم نُلفى و لا عرب نُرى             و لكننا لسنا نمت لمنهل

فيالبني أمي انهضوا و تداركوا            ذماءً من المجد العلي المؤثَّل

على لغة القرآن جدوا و حصّلوا           تفوزوا و تبقوا آخراً مثل أوَّل

إن الحديث عن علال الفاسي رحمه الله تعالى طويل ذو شجون، وفيما ذكرنا الكفاية للدلالة على مدى اهتمامه و اهتمام المغاربة بأهل المشرق بأدبهم، وبكل ما يمت إلى العربية و العروبة بصلة، و مدى إهمال أهل المشرق له و لشعره وللأدب المغاربي بشكل عام.

إن شعر علّال رحمه الله، هو جزء من تراث أدبي مغاربي غزير و ثمين، كان الأولى بأدباء المشرق ونقّاده، أن يشيدوا به و يكشفوا ما غاب من صفحاته وينشروه بين أبناء المشرق، و يطلعوهم على كنوز الثقافة المغاربية العظيمة، بدلاً من الجمود و التعالي، وفي أحسن الأحوال التجاهل و الإعراض.

و آخر الكلام نداء أوجهه إلى أدباء المشرق، وإلى المؤسسات الأدبية و الثقافية فيه، أن تكون وفية للأدب المغاربي بإقامة الندوات و الاحتفالات، وكتابة الأبحاث و المقالات عنه وعن أدبه، لتعريف أهل المشرق العربي بأدب إخوانهم المغاربة.

 

يسعدنا تعليقكم

 
 
  1. أمل

    07/12/2011 at 9:16 م

    السلام عليكم …
    لمّت الآلام منا شملنا ….ونمت ما بيننا من نسب
    فإذا مصر أغاني جلّق .. وإذا بغداد نجوى يثرب

    وقد جمعتنا اليوم آلام عروبتنا النازفة ، فوحّدت المشاعر .. وألَفت القلوب …
    و اسأل الله أن يكون لأدبنا نصيب في هذا الربيع …. و يجمع المشاعر المتناثرة والكلمات المبعثرة …..

    ….

     
  2. عبدالله بدران

    08/12/2011 at 3:05 م

    الأخ العزيز فداء
    أشكرك جزيل الشكر على هذه الإطلالة الجميلة، ومعك كل الحق في ما ذهبت إليه، ولطالما غمطنا نحن الشرقيين إبداع المغاربة وجهدهم العلمي، لاسيما المنهج العلمي الذي يتبعونه في دراساتهم النظرية. وأذكر أن مجلة الدوحة القطرية القيدمة كانت تسلط بين فينة وأخرى الضوء على النشاط المغاربي، لكن قلما نجد المجلات المختلفة، أو الإعلام العربي العام يسلط الضوء على ذلك الجانب المنسي من أمتنا.

     
  3. عبد اللطيف

    19/02/2013 at 2:39 م

    شكراً جزيلاً أخي العزيز، فداء ياسر الجندي، على الشهادة في حق بلاد المغرب وأهل بلاد المغرب.
    ويسرني أن أحيطك علماً بأني معجب بأسلوب كتابك الأدبي الفصيح، البليغ والبسيط في الآن الواحد.
    قرأت تقريرك الرائع على الجزيرة نت.
    بالتوفيق ان شاء الله