الشبكة العالمية…..قرية بلا مختار

17 نوفمبر

فداء ياسر الجندي

لا أتفق مع من يقول بأن الشبكة العالمية قد حولت العالم إلى ما يشبه قرية إلكترونية صغيرة، لأن وجه الشبه الوحيد بين القرية والعالم الشبكي، وهو تقريب المسافات وسهولة الاتصال، لا يكفي لإطلاق هذا التشبيه، بسبب وجود أوجه كثيرة جداً من الاختلاف بين الفضاء الشبكي  والمجتمع القروي.

فساكن القرية يعرف من حوله من الناس على طبيعتهم، بلا رتوش ولا حواجز، بل لو أنه شاهد شخصاً من قريته لم يقابله سابقاً فلربما عرف من ملامحه إلى أية أسرة ينتمي، ومن أبوه ومن جده، فالناس يعرف بعضهم بعضاً، ويوجد بينهم نوع من التكافل والترابط، أما العالم الشبكي، فالناس فيه موجودون خلف شاشاتهم، لذا فإن أي متصفح للشبكة يستطيع أن يخفي شخصيته، ويجعل لنفسه اسماً مستعاراً، يدخل من خلاله إلى ما شاء من المنتديات وغرف الدردشة، ويبتكر لنفسه ما شاء من الصفات والأخلاق (تكفي زيارة واحدة لبعض مواقع التعارف للتأكد من ذلك، فالجميع هناك طيب القلب، حساس، مرح، يقدس الحياة الزوجية… إلى آخر ذلك من الصفات، وكأن العالم قد تحول إلى قرية فاضلة)، ثم يبني من خلال الشخصية التي صنعها لنفسه علاقات وصداقات شبكية وهمية، ومن يدري، فقد يكون أصدقاؤه الشبكيون أيضاً مثله شخصيات مصطنعة، وكثيراً ما أدت أمثال هذه العلاقات إلى مواقف غريبة، بعضها طريف مضحك، وبعضها مزعج مؤسف.

وفي عالم القرية، تتمتع البيوت بحرمة عظيمة لا يمكن اختراقها بسهولة، ومن يفعل ذلك يعرض نفسه للعقاب والمساءلة، وقد بلغ من أهمية احترام حرمات البيوت وخصوصياتها، أن جعل الله سبحانه وتعالى آيات في كتابه الكريم عن آداب الاستئذان قبل دخول بيوت الغير، أما اختراق حرمات الغير في العالم الشبكي، فلا يكاد يسلم منه أحد، فمن منا لم يشك يوماً من فيروس خرب ملفاته، أو قرصان تسلل إلى جهازه، أو شركات لديها وسائلها الخاصة في الحصول على البريد الإلكتروني لمستخدمي الشبكة، ثم تقوم بإرسال الإعلانات الترويجية والمعلومات التفصيلية، والعروض الخاصة، بل هناك شركات وأشخاص جعلوا من بيع القوائم البريدية لخلق الله الغافلين، إلى الشركات الباحثة عن العناوين، مهنة يتكسبون بها.

وبالإضافة إلى تلك العروض التي تمطرنا بها الشركات، هناك إزعاج من نوع آخر، قد يحدث بحسن نية، وهو أن يصلك بريد من إحدى المجموعات الحوارية، تخبرك بأنه قد تم اختيارك للانضمام إليها، وتطلب منك المساهمة فيها، ثم لا تلبث أن تمطرك يومياً بالرسائل والمساهمات، والتي كثيراً ما يحتوي بعضها على ملفات رسومية ضخمة، دون أن يأخذ المرسلون بعين الاعتبار أن هذه الملفات تأخذ حيزاً من قرصك الصلب، وتحتاج وقتاً طويلاً للتنزيل، فتجد أن عليك الانتظار طويلاً كلما أردت أن تفتح بريدك الإلكتروني. وإذا كانت الشركات الأجنبية تجعل في أغلب الأحوال وصلة في آخر نشراتها يمكن من خلالها إيقاف تدفق الرسائل الترويجية من طرفها، فإن معظم مجموعات الحوار العربية تفتقر إلى هذا الخيار.

ولو شرعنا في تعداد الفروق بين الشبكة العالمية والقرية البشرية لما انتهينا، ولكن نذكر أهم الفروق بينهما، وهو أن القرية البشرية فيها “مختار” أو “عمدة”، يقوم بدور لا غنى لأي قرية عنه، وخاصة في فض النزاعات وتأليف القلوب، ومضافة المختار عادة ما تكون ملاذاً للغرباء، وموئلاً لأصحاب الحقوق، يقصده أهل القرية لحل نزاعاتهم، وفض خلافاتهم، وكم من مشكلة كبرى تتفاقم بين أسرتين أو عشيرتين، تكون نهايتها (بوسة شوارب) في بيت المختار، يساعده على ذلك بساطة الحياة القروية، واحتكام أهل القرى في بلادنا العربية إلى الشرع والقوانين والأعراف القروية الفطرية، ويساعد على ذلك أيضاً هيبة المختار ومكانته، حيث يتم انتقاؤه غالباً من أفضل العشائر مكانة وأكثرها احتراماً بين أهل القرية، فالمختار إذن هو صمام الأمان في القرية وحلال مشاكلها وواسطة عقدها، أما الشبكة العالمية، فهي فضاء فوضوي، تضيع فيه الحقوق وتنتهك فيه الأعراف، ولا مختار فيه يأخذ الحق لصاحب الحق، وينصف الضعيف من القوي، فمن يأخذ لي الحق إذا تسلل أحد القراصنة من سنغافورة أو اليابان أو أمريكا أو بلاد الواقواق إلى جهازي، فخرب ملفاتي، وأضاع تعبي، وعطل عملي، ومن يعاقب مجرماً (وكلمة مجرم هنا لا مبالغة فيها) قام بدس فيروس قاتل على الشبكة، فانتشر فيها انتشار النار في الهشيم، وألحق الأذى بالعباد والبلاد، مما قد تصل خسائره إلى الملايين والمليارات، ومن يقطع يد لص “لطش” أرقام بطاقات الائتمان العائدة لغيره، فاشترى بها على حسابهم ما لذ وطاب من المشتريات، وترك أصحابها في خلافات طويلة مع الجهات التي أصدرت البطاقات، هي تتهمهم بأنهم لم يتخذوا الإجراءات الاحترازية اللازمة، وهم يتهمونها بأنها لم تتحقق جيداً من شخصية صاحب البطاقة. ومن ..ومن..ومن.. أسئلة كثيرة ومشاكل عديدة تواجه مستخدمي الشبكة العالمية، ولا مختار ليحلها.

لا أكتب هذا الكلام حتى أدفع القراء الكرام إلى الإعراض عن استخدام الشبكة العالمية، فقد أصبحت ضرورة لا غنى عنها في عالم اليوم، بل أردت أن أقول بأن تشبيهها بالقرية لا يصح، ويعطي انطباعاً غير صحيح عنها، بل هي أقرب إلى البحر الزاخر منها إلى القرية الوادعة، ففيها الكنوز الثمينة والموانئ المريحة واللآلئ البديعة والخيرات الوفيرة، وفيها أيضاً الحيتان المفترسة والعواصف المريعة، والأمواج العاتية، والقراصنة المجرمون، ويحتاج من يتصفحها إلى التسلح بالحذر لحماية نفسه، وبالأدب واللباقة والذوق في التعامل مع غيره.

من أبواب الأدب العربي المعروفة والممتعة, أدب الأسفار والرحلات، وأحسب أننا سنشهد إن مد الله لنا في العمر ولادة نوع جديد من الأدب، هو أدب الحاسوب والشبكات.

_____________________

 من كتاب (العرب والعربية في عصر الثورة الحاسوبية) إصدار دار الفكر،دمشق

 

يسعدنا تعليقكم