تأملات بيانية في آية قرآنية

09 أكتوبر

 

فداء ياسر الجندي 

من الخصائص البيانية المدهشة في القرآن الكريم، طريقته الفريدة في إيصال المعاني للسامعين، وطريقته هي التصوير الفني، كما سماها سيد قطب، وهو بالمناسبة كان أول من تحدث عنها وأفاض في شرحها، رحمه الله تعالى، وخلاصتها أن القرآن الكريم يعبر بالصورة المحسوسة عن المعاني الذهنية المعنوية، وفي ضوء ذلك سنحاول التأمل في قوله تعالى: “ومن يشرك بالله فكأنما خرَّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، (الحج:31)

الله سبحانه وتعالى يريد أن يخبرنا في هذه الآية الكريمة عن حال المشرك ومآله، وهو معنى ذهني معنوي، فالمشرك ضائع في الدنيا، لا يرتاح له بال، يسعى كالبهائم ولا يظفر بشيء،.عمله ضائع، سعيه ضائع، لا هدف له، ومآله الخسران، يمكن أن نكتب كتابا عن مساوئ الشرك.

فالقرآن الكريم يريد أن يوصل لنا كل هذه المعاني،.وغيرها الكثير الكثير، في عبارة موجزة جدا، يفهمها العالم والجاهل كل على مقداره، فلم يعدد لنا مساوئ الشرك بطريقة ذهنية جافة، بل عبر لنا عن كل ذلك بصورة معجزة ولاأروع.

مثل المشرك كرجل يخر من السماء……أي ضياع أكثر من هذااي مآل أسوأ من هذا….أي صورة أجمل من هذه، فيها كل معاني الضياع ةالخسران والتيه والتخبط وفقدان الإرادة، وما شئت من معاني السقوط من السماء..!!

ولكن المسكين لا يخر فينزل في مكان آمن، ولا يتلقفه أحد لينقذه، بل حتى هذا الهبوط المريع هو هبوط مثقل بالأهوال ومفعم بالمخاطر، فقد تخطفه الطير.!!.وما أبلغ ذلك، تخيل طيرا يخطف إنسانا ساقطا من السماء،…..كم حجم هذا الطير،ما هي قوته، ما هي سرعته،…..ماذا سيحدث للمخطوف..؟,,,,,

وهنا واحدة من قمم البلاغة والبيان، والتي تحرك خيال السامع وتفتحه، ثم تترك له أن يغوص بنفسه وراء المعاني، فهو لم يقل لنا ما ذا سيفعل به الطير، هل سيأكله،.هل سيقطعه إربا، هل سيصعد به ليرميه من جديد، هل وهل..،.ترك الأمر لخيال السامع يتخيل ما شاء من مآل الشرك السيء المريع، ولا شك في أن الغموض يزيدنا خشية من مآل المشرك.

الأمر لم يقف عند هذا الحد، فماذا سيحدث إن لم تخطفه الطير؟ إن مات فجأة مثلا ولم يعان ما يعاني المشرك، فسيهوي في مكان سحيق، قال مكاناً،.تركها مفتوحة، ليترك الخيال متابعاً لها كالعادة، وكلمة سحيق تعطي المكان عمقا يكاد يكون لا نهائيا، وقال تهوي به الريح، لا يهوي هو، فهو ليس له من الأمر شيء، بل هو تائه مسلوب الإرادة تتلاعب به صروف الدهر، ولم يقل لنا ما يحدث بعد أن يهوي، الغموض مرة أخرى، ذلك الغموض الذي يزيدنا خشية واعتبارا.

هكذا يعبِّر القرآن الكريم عن أمر ذهني، بطريقة حسية، تجعل السامع يتخيل كل ما يمكن ن يكون من مآل الشرك، ولو أردنا شرح ذلك بتعابير ذهنية لعانينا وتعبنا وأتعبنا سامعنا، ولكن الله تعالى يقول لنا ذلك كله بأوجز العبارات وأجملها، عبارات على قصرها تحرك المشاعر والتصور، وتؤثر في الضمير والشعور، وتترك السامع متأملا ذاهلا لا مناص له من تجنب الشرك،إن فهم وعقل ما يقرأ.

ولم يقف الإعجاز البياني عند هذا، ففي هذه الآية أيضا من الموسيقى المناسبة للمقام، مايساهم في رسم الصورة الفنية البديعة التي ترسمها الكلمات بمعانيها.

لنتأمل قوله تعالى (خرَّ من السماء) إن فيها موسيقى عجيبة، ولنلاحظ الاختيار المعجز لكلمة (خر)، فهو تعالى لم يقل سقط، أو نزل، أو وقع، أو هوى، بل قال سبحانه خرَّ.

فالخرير يأخذ وقتا يتعذب فيه الذي يخر، أما السقوط فهو سريع عذابه أقل.

والخرير فيه معنى الاستمرار ..خاصة أنه أتبعه بكلمة (من السماء)، لم يقل مثلا (من علٍ) كما قال مرؤ القيس عن حصانه: (كجلمود صخر حطه السيل من علِ).

وكلمة السماء فيها معنى اللانهائيةلا العلو فقط، فالله وحده يعلم كم قضى ذاك الذي يخر من الوقت وهو يخر.

وفيه أيضا إعجاز صوتي يناسب المقام، فجرس كلمة الخرير يناسب معناها المستمر، ويناسب الصوت الذي قد نتخيله لصدى خرير هذا المشرك.

أما كلمة السماء ففيها مد متصلست حركات وجوبا….السماء، فعندما يقرا القارئ الآية ويمد صوته بها، يسرح في مدى العلو الهائل الذي يهوي منه المشرك.

ها هو المشرك يخر من السماء، فماذا سيحل به؟؟ (فتخطفه الطير)

تحدثنا عن معاني هذه الجملة،أما الموسيقى في هاتين الكلمتين فعجيبة جدا، إذ لا يوجد فيهما أي حرف مد، (فتخطفه الطير).

أين المد الذي في كلمة السماء أثناء الخرير؟ إنه لا يناسب المقام هنا، فعندما يخر ويهاجمه صقر أو نسر فإن هذا الهجوم يكون بسرعة خاطفة، وبحركات سريعة عنيفة، يناسبها حرف الطاء الشديد المطبق المفتوح، كما أن تعاقب الطائين المفخمتين مع التاء الرقيقة، والهاء المضمومة، وكلاهما حرف همس، هذا التعاقب يُظهر عنف حرف الطاء بشكل أكبر، والضد يُظهر حسنه الضد، ردد مرتين أو ثلاثا….فتخطفه الطير..فتخطفه الطير، لتعلم ما أقصد.

والآن ..ستتغير الموسيقة تماما….فإن هذا الذي يخر إن لم تصادفه الطير فتخطفه، ماذا سيحل به؟ دعونا نلاحظ: (أو تهوي به الريح في مكان سحيق)

تهوي ….به الريح…… في…… مكان…… سحيق، سبحان الله، سلسلة متوالية من خمسٍ من حروف المد المد، ثلاث منها ياء، وموسيقاها تناسب عملية الهوي من السماء في مكان سحيق، أين هذه الموسيقى من موسيقى (فتخطفه الطير)، تلك فيها سرعة وعنف وشدة، وهذه فيها عمق، ومتاهات، ومدود تعبر عن ما لا نهاية له من سوء المآل وظلمته.

والأجمل من ذلك كلمة سحيق..ومن يقف عليها مدا عارضا للسكون يمدها ست حركات جوازاوتنتهي بقلقلة القاف قلقلة يسميها علماء التجويد قلقلة كبرى لأنها عند وقف ،اليس هذا هو صوت ارتطام الجسم الهاوي إلى مكان سحيق؟

أي تناغم بين الصوت والصورة والمعنى هذا، أي دقة في التعبير هذه، أي بيان إلهي هذا، سبحانك يارب.

هكذا نكون قد تكلمنا عن موسيقى هذه الآية الكريمة، لنكتشف مدى ترابط المعنى بالجرس بالموسيقى، وكأن كل حرف فيها له مكانه في سيمفونية معانيها.

هو القرآن المعجز، سبحان من أنزله ويسره للذكر.

بقي أمر آخر، في البداية قال تعالى (خر من السماء) فنسب الفعل للمشرك، فهو الفاعل، لأنه اختار الشرك بنفسه، ولكن بعد ذلك يخرج الأمر عن إرادته ويضيع، فتخطفه الطير، أو تهوي به الريح، فهو لا إرادة له هنا، قد خرج الأمر من يده بعد أن أولغ في الشرك بنفسه.

وهناك أيضا إعجاز علمي مبهر في قوله تعالى (أو تهوي به الريح)

وبيان ذلك، أن الهواء بالنسبة لنا هو كالماء بالنسبة للأجسام العائمة، فالطائرة تسبح في الهواء لأنها تكون محمولة عليه، وتهبط أيضا وهي محمولة على الهواء حتى تلامس الارض، فلو كان هناك ما يسمونه (مطبات هوائية)، أي اختلال في كمية وكثافة الهواء في الجو، يكون طيران الطائرة وهبوطها مضطرباً، فالهواءإذن هو الذي يحمل الأجسام الموجودة فيه، مهما كان وضعها صعوداً أو هبوطاً، ومثله بذلك كمثل الماء، فلو قذفنا جسما في ا لماء فله حالتين،إن كان أخف من الماء يدفعه الماء للأعلى فيطفو، وإن كان أثقل يدفعه الماء للاسفل فيغوص، والأمر نفسه بالنسبة للهواء، لو قذفنا بالونا فيه غاز أخف من الهواء الجوي، سيدفعه الهواء للأعلى فيطير، ولو رمينا جسما صلبا أثقل من الهواء، سيدفعه الهواء للأسفل فيسقط، فقوله تعالى ( أو تهوي به الريح) إشارة واضحة لا تحمل اللبس إلى أن الهواء هو الذي يحمل الأجسام في الفضاء، وهو الذي يهوي بذاك الساقط من السماء، ولولا وجود الهواء لما طار أي جسم ولما هوى أي جسم، بل في الآية إشارة أيضاً لى وجود الغلاف الجوي والجاذبية الأرضية، فلولا الجاذبية لما كان هناك غلاف جوي، ولما كان حول الأرض هواء ولما تحرك أي جسم، وجاءت الإشارة في الآية ههنا واضحة جداً في قوله تعالى أو تهوي به الريح، فلو سقط ولم يكن هناك جاذبية وغلاف جوي، لما هوت به الريح.

سبحانك اللهم، إعجاز بياني، وإعجاز معنوي، وإعجاز صوتي، وإعجاز موسيقي، وإعجاز علمي، كل ذلك في كلمات معدودة من آية واحدة..

“أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا

صدق الله العظيم

 

يسعدنا تعليقكم

 
 
  1. أروى

    09/10/2011 at 4:35 م

    مقال ممتاز :)