زبدية حاسوبية….سخنة وبلاش

20 سبتمبر

فداء ياسر الجندي 

 كان “أبو محمود” يمر يوميا على بائع الفول النابت، فيشرب “زبدية” من مرقة الفول الساخنة، ثم يتابع طريقه، حتى ظن أحدهم أن للمرقة فائدةً خاصة وصفاتٍ عجيبة تجعله يداوم عليها. فلما طلب منه يوماً أن يخبره بسِرِّ هذه المرقة لعله يستفيد منه، قال أبو محمود عبارة ذهبت في حارتنا مثلاً (سخنة وبلاش).

وأنا أدعو القراء الأعزاء اليوم إلى “زبدية حاسوبية”، (سخنة وبلاش)، وتزيد على مرقة الفول أمرين، الأول لا أحسب أن أحداً سيختلف معي فيه، وهو متعة اكتشاف شيء جديد، والثاني أرجو أن يقتنع به أكبر عدد ممكن من القراء الكرام، وهو الفوائد الكبيرة التي تعود عليهم من هذه الوصفة الحاسوبية.

لو طرق بابك عزيزي القارئ فاعل خير، حاملاً لك قرصاً مدمجا يعطيه لك بالمجان، هدية بلا منٍّ ولامقابل، وفيها نظام تشغيل مجاني أصلي، أكنت ترفض الهدية؟

فاعل الخير هذا جاهز ينتظر إشارة منك، لأنه لا يعرف عنوانك وعليه أن تخبره به، وما عليك إلا أن تدخل إلى موقع ubuntu.com ثم تملأ طلب الحصول على نسخة مجانية من إصدارة “أوبونتو”، وهي إصدارة مدهشة لنظام التشغيل لينوكس، وستصلك النسخة إلى عنوانك البريدي خلال أسبوعين أو ثلاثة، ويمكنك تركيبها على جهازك بسهولة ويسر وأنت تشرب فنجان قهوة. (فنجان القهوة من عندك وليس على البيعة!)

أعلم ما ستقول، لا تقلق، فأنت لست مضطراً إلى هجر صديقك القديم “ويندوز” فوراً، فما ذاك من شيم الكرام، لأن نظام أوبونتو الجديد “مدهش” كما سبق وأشرت، تقوم بتركيبه (وكدت أقول بتركيب نفسه) على جهازك دون أن يدوس طرفاً لويندوز أو يزعج خاطره، بل يتركه على حاله وينتبذ لنفسه مكاناً قصياً على قرصك الصلب، بعد أن يقوم بتقسيمه تلقائياً، ويصبح جهازك حاوياً النظامين (اللدودين) جنباً إلى جنب، ليس هذا فقط، بل سيقوم صديقك الجديد أوبونتو بعمل نسخة كاملة من كل ملفاتك الموجودة على نظام ويندوز، ويخزنها لك في مجلد خاص على نظام أوبونتو، وتستطيع أن تفتحها ببرامج ويندوز، وخاصة أوفيس أو ببرامج أوبونتو.

برامج أوبونتو؟ ومن أين أحصل عليها؟ حسناً تأتيك نسخة أوبونتو الأصلية مصحوبة بمجموعة من البرامج موجودة على القرص نفسه، (وهي بمثابة الكَمُّون والملح والليمون، التي لا تطيب المرقة من دونها)، منها طقم “أوبن أوفيس” المناظر لطقم “أوفيس” من مايكروسوفت، ويتم تركيبها تلقائياً مع النظام الجديد، ولن يجد مستخدم أوفيس صعوبة في استخدامها والتأقلم معها في مدة قصيرة جداً.

ولكن أليس أوبونتو هو أحد إصدارات “لينوكس؟ ثم أليس لينوكس نظاماً صعب الاستخدام وهو فقط للمختصين والمبرمجين؟

نعم، أوبونتو هو أحد إصدارات لينوكس، ولكن حكاية أن لينوكس معقد وللمختصين أصبحت من الماضي بوجود إصدارة أوبونتو، فقد جعلت هذه الإصدارة من استخدام نظام لينوكس أمراً سهلاً لايحتاج لخبرة ولا لتدريب، ودليلنا العملي على ذلك هو الزيادة الكبيرة في مستخدمي لينوكس بعد ظهور أوبونتو، وللمرة الأولى بدأت بعض شركات إنتاج الحواسيب بتركيبه على بعض أجهزتها الجديدة بدل ويندوز نظراً لتنامي الطلب عليه.

ولكن نظراً إلى أنني جديد عليه، فمن يُعينني إذا توقف النظام أو “أُرْتِجَ عليه” أو احتجت إلى مساعدة أو دعمٍ فنيٍّ ؟

أما التوقف والإرتاج فتكاد تكون غير موجودة في قاموس هذا النظام، وكدت أحذف كلمة (تكاد) ولكن تركتها احتياطاً، وأما الدعم الفني والمساعدة، فما أكثر المنتديات والمواقع التي تقدمها مباشرة وفي سرعة قياسية، وأخص بالذكر منها موقع أوبونتو نفسه، وموقع مجتمع لينوكس العربي، linuxac.org وهو موقع شامل باللغة العربية لكل أنظمة التشغيل المفتوحة المصدر، ويحتوي على معلومات قيمة جداً، ويصدر مجلة شهرية إلكترونية مجانية عن المصادر المفتوحة، وما عليك عزيزي القارئ إلا أن ترسل سؤالك إلى القسم المختص بالموقع ويأتيك الجواب خلال ساعات، وأحياناً أقل من ساعة، أقول ذلك عن تجربة.

ولكن هل توجد نسخة عربية من إصدارة أوبونتو؟ إن أوبونتو إصدارة دولية عالمية، تدعم عشرات اللغات وعلى رأسها العربية، وكل المطلوب أن تختار اللغة العربية أثناء التركيب لتكون اللغة الأساسية، وتستطيع معها أن تضيف أية لغة أخرى لتكون لغة إضافية، وهذا ترجمة لشعار أوبونتو الموجود على غلاف القرص الذي سيأتيك (الحوسبة لكل البشرية).

وهل سيتعرف اوبونتو العتادَ بسهولة، أم أحتاج أن أركب سواقات لأنواع العتاد حسب أجهزتي؟ الجواب ما ترى لا ما تسمع، قد قمت بتركيبه ثلاث مرات على أجهزة ثلاثة مختلفة: في مكتبي وفي بيتي وعلى جهازي المحمول، فكانت كل الملحقات الموجودة على كل هذه الأجهزة تعمل مباشرة بلا أي تركيب أو تدخل مني (يعني مثل السِّحر)، ويشمل ذلك الوصلات المختلفة للشبكة العالمية (الإنترنت)، والطابعات والملحقات الأخرى.

وماذا عن البرامج الأخرى مثل المرسال ومشغلات الملفات الصوتية والمرئية وغيرها؟ أقول: حَدِّث ولا حَرَجْ، يأتيك النظام وفيه من كل فاكهة زوجان، ستجد قائمة كبيرة من التطبيقات والبرمجيات، مصنفة حسب أنواعها، وما عليك إلا ان تنقر البرنامجَ المطلوب بعد اختياره ليقوم النظام بتركيبه فوراً إن كان موجوداً على القرص، أو تنزيله ثم تركيبه  تلقائياً وإضافته إلى قائمة البرامج إن لم يكن موجوداً على القرص الصلب وكل ذلك “بلاش”!.

وهل سيكون جهازي في أمن من الفيروسات والاختراقات؟ ماذا قلت؟ فيروسات؟…اختراقات؟ هذا لفظ يذكرني بنظام قديم اسمه ويندوز، ليس للقراصنة مِن هَمٍّ إلا أن يخترعوا له فيروسات، وقد سهلت لهم مايكروسوفت مهمتهم دون قصد بسبب الثغرات الأمنية الكثيرة التي اتسعت على الراتق، أما نظام لينوكس فيكاد (أيضا هنا أقول يكاد للاحتراز) لا يعرف هذه الكائنات الغريبة التي تسمى فيروسات، فقد زوده من أعده باللقاحات اللازمة لتجنبها.

 ولكن ألا ترى أن حماسك هذا لتوزيعة “أوبونتو” مبالغ فيه؟ لا أنكر أني متحمس لبرمجيات المصادر المفتوحة حماساً شديداً، ولكنه ليس كحماس مشجعي الكرة،  أصحاب شعار “انصر فريقك هازماً أو مهزوماً!” بل هو حماس له أسباب أُوجزها بأمرين، الأول أن تجربتي معه ناجحة ومفيدة وممتعة، وأحب للقراء ما أحب لنفسي، والثاني أن انتشار فلسفة البرمجيات المفتوحة المصدر لها آثار وفوائد تقنية وعلمية واجتماعية واقتصادية لا مجال للتفصيل فيها الآن، وقد نعود لها في مقالات قادمة، ولكن أخص بالذكر منها أمراً هاماً جداً، وهو أن انتشار نظام التشغيل لينوكس وتطبيقاته الهامة مثل “أوبن أوفيس”، سيجعل من السهل على السلطات المختصة في بلدنا أن تطبق بصرامة منع القرصنة والنسْخ، وهذا  من شأنه أن يزيح  إحدى العقبات المستعصية التي تقف في طريق نهضة صناعة البرمجيات في سورية، لأن النسْخ غير المشروع من أهم أسباب تخلف تلك الصناعة، ومنعه غير ممكن عملياً ما لم يتوفر البديل القانوني الرخيص أو المجاني لويندوز وأخواتها وبناتها، إذ  لا يخفى على أحد أن معظم مستخدمي الحاسوب في بلدنا لا طاقة لهم على شراء النسخ الأصلية من تلك البرامج، وحتى لو تمكنوا فلماذا يفعلون والإصدارات الجديدة منها تصل نسخها غير الشرعية إلى سوق “البحصة” في دمشق قبل أن تصل نسخها الأصلية إلى الوكلاء في المنطقة العربية؟ ونحن نرى أن البديل متوفر في “أوبونتو” وأخواتها وبناتها، ولكن يحتاج لمن ينشر الوعي به والحث عليه، وعسى أن يكون ما قرأتم في السطور السابقة خطوة على هذا الطريق.

من كتاب (المعلوماتية في حياتنا…ثمرات وعثرات)، إصدار دار الريادة، دمشق، 2011

 

يسعدنا تعليقكم