تقنيات بلا مشاعر

08 سبتمبر


فداء ياسر الجندي


“في هذا اليوم، السابع من كانون الثاني عام 1997 رزق الله سبحانه وتعالى ولدي فداء مولوداً ذكراً سماه عَمْراً، فلله الفضل والحمد والمنة، جعله الله من أبناء السعادة وأقر به عين أمه وأبيه”

قرأت هذه العبارات في دفتر يوميات أبي رحمه الله تعالى، بعد بضعة أيام من وفاته، ثم أبعدت الدفتر عن عيني لأمنع دمعة ساخنة من السقوط فوق الكتابة وإفساد أي حرف منها.

كان الفرح يتراقص من بين الكلمات التي خطها أبي رحمه الله تعالى، فقد ملأت الكلمات السابقة مساحة صفحة كاملة تقريباً على قلتها، وبخط غاية في الإتقان والرصانة، وحروف كبيرة مسترخية تمتد على أكبر مساحة ممكنة، وكأنه يريد أن يقول إن هذا الحدث هو حدث ذلك اليوم، وكأنه كان يريد أن يطول وقت الكتابة قدر المستطاع لأنه كان منتشياً بالخبر، مستمتعاً بالحديث عنه.

لا..ليس هذا مبالغة مني في التخيل، ففي ورقة أخرى من يومياته أقرأ هذه العبارة: “اليوم فُجعنا بوفاة ابن عمتي إبراهيم فرحمه الله وأكرم مثواه”، كانت هذه العبارة مكتوبة بخط صغير حاد الحواف، منكمش الحروف، مبعثر الأطراف، وكأنه مكتوب بيد مرتجفة مترددة، تخطه مكرهة، فلم تشغل هذه الكلمات أكثر من جزء من سطر، وكأنه كان يريد أن يسجل الخبر بأسرع وقت ممكن، وأن يطوي صفحته على الحزن والأسى والتسليم بقضاء الله.

ترى هل كان بالإمكان أن أقرأ كل هذه المشاعر والأحاسيس لو أن والدي رحمه الله خزن هذه الكلمات على ملف رقمي بعد أن يطبعها؟ وبتعبير آخر، هل تستطيع الكلمات المطبوعة أن تنقل لنا من المشاعر والأحاسيس ما تنبئ عنه الكلمات المخطوطة؟

مهلاً قراءنا الكرام، ليست هذه دعوة إلى إعادة الساعة إلى الوراء والتنكر لاثنين من أعظم الاختراعات في تاريخ البشرية من حيث تأثيرهما على تطور الحضارة، ألا وهما الطباعة والحاسوب، ولكن ما لمسته من مشاعر في ما ترك والدي رحمه الله جعلني أدرك كم جرفتنا هذه الاختراعات بحيث جعلتنا نستخدمها في غير موضعها في أحيان كثيرة، وإن كنا عن ذلك غافلين، لقد جلست أقرأ في الرسائل التي كنت أرسلها لأبي رحمه الله في أوائل أيام غربتي، وقد رتبها حسب ورودها، فوجدت فيها تاريخاً منسياً وذكريات قيمة لا تقدر بثمن، ولكن عددها كان يتناقص مع مرور الزمن حتى انقطعت فجأة، وكان هذا الانقطاع متزامناً مع دخول الاتصال الهاتفي المباشر بين الدول العربية، فليتني لم أستسهل الاتصال وأبقيت على التراسل الكتابي، لقد ضاعت مئات المكالمات الهاتفية في الهواء، ولم يبق للذكريات إلا تلك الرسائل القديمة القيمة.

وصور طفولتي القديمة، ترى هل كان بالِإمكان أن أعثر عليها بين ملفاته الإلكترونية لو أنه كان يخزن جميع التذكارات والصور والرسائل التي امتلأت بها خزانته بشكل رقمي؟ الجواب موجود عندي، فلدي الكثير من الصور المطبوعة لابني الأكبر في مختلف مراحل طفولته، فلم يكن التصوير الرقمي منتشراً تلك الأيام، فأما ابني الأصغر فليس لدي من صور ورقية له إلا القليل، لأن معظم صوره كانت باستخدام التصوير الرقمي، وقد ضاع الكثير منها لأننا نسينا على أي ملف خزناها وفي أي قرص وضعناها، وليتنا طبعناها فور أخذها فحفظناها.

لا يمكن أن نتصور العالم بلا تقنية وحواسيب وشبكة عالمية (انترنت)، ولكننا لم نكن لنتصور أيضاً أن تكون هذه التقنيات الحديثة سببا في ضياع الذكريات واختزال المشاعر وتقطع الأواصر.

تصلك رسائل على الهاتف المحمول ليلة العيد فيها التهاني اللطيفة الرقيقة، الفياضة بالمشاعر، الموزونة المقفاة، فتحدث نفسك بالامتنان لمرسلها، الذي تذكرك في هذه اللحظات الخاصة، وأتعب نفسه وأجهدها في انتقاء الكلمات وتدبيج العبارات، ثم لا تلبث أن تأتيك رسالة أخرى وثالثة ورابعة، ثم تلاحظ أن بعض هذه الرسائل متماثلة في عباراتها وأوزانها وقوافيها، لتكتشف أن الرسالة الأولى التي وصلتك ليست مكتوبة لشخصك، لأنها تكررت أكثر من مرة، بل هي مأخوذة من موقع شبكي أو شركة متخصصة، تبيع الناس الشعارات والنغمات والصور والعبارات، عبر تجارة أصبحت رائجة هذه الأيام، ليس هذا فحسب، بل قد يكون مرسلها لا يقصدك بها، فقد حدثني بعضهم أنه تلقى في العيد رسالة رقيقة حركت مشاعره، فلما لم يعرف مرسلها من رقمه، اتصل به ليشكره، فلم يعرفه من صوته، وبعد سلام وكلام تعرفا بالكاد على بعضهما، وتبين أن مرسل الرسالة قد سبق له تخزين رقم صاحبنا قبل فترة طويلة بعد لقاء عابر، لشأن يتعلق بالعمل، ثم دارت الأيام وجاء العيد وقاد الاستسهال مرسل الرسالة إلى أن يطبعها ثم يرسلها إلى جميع من يحفظ أرقامهم وبكبسة زر واحدة، يستوي بذلك عنده الصديق المقرب والقريب المحبب مع الغريب العابر.

لقد جعل الله سبحانه وتعالى الأعياد سبباً لصلة الأرحام وتلاقي الأصدقاء وتذكر الأحباب، ولكن سوء استخدام بعض الناس للتقنيات الحديثة اختزل كل ذلك في رسالة صماء عجماء، تصلك عبر الهاتف النقال، وكفى الله المؤمنين القتال.

ولكن مهلاً، فليس العيب في التقنية وإنما هو في سوء استخدامنا لها، أو قل في استخدامنا لها في غير موضعها، وأنا هنا لا أطالب بمنع الهواتف النقالة، أو الإعراض عن استخدام البريد الإلكتروني والعودة للبريد الورقي، ولكن كما أن لكل مقام مقال، فلكل أداة استعمال، ولا يمكن لتصميم هندسي متطور أن يتم اليوم دون استخدام وسائل التصميم بالحاسوب، ولكن عندما يتعلق الموضوع بالعلاقات والمشاعر والذكريات، فليست التقنية هي دائماً الأداة المفضلة، وهل الطائرات والسيارات تغني عن نزهة على الأقدام على شط بحر هادئ في أصيل ساحر؟ وقديماً قال المتنبي:

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا                مُضِرٌّ كوضع السيف في موضع الندى

من كتاب (المعلوماتية في حياتنا…ثمرات وعثرات)، إصدار دار الريادة، دمشق، 2011

 

 

يسعدنا تعليقكم

 
 
  1. مي غالب

    10/09/2011 at 10:01 م

    ألله يا ابو ياسر دائما مبدع ومتألق في كتاباتك…..