قصيدة أبكت أعظم ملوك الأرض

03 سبتمبر

فداء ياسر الجندي

لا عجب أن يبكي هارون الرشيد، أعظم ملوك الدنيا في عصره عندما سمع هذه الأبيات، ولكن العجب أن لا يبكي، ذلك لأنها أبيات اجتمع فيها من سحر البيان وصدق المشاعر وسلاسة الأسلوب وقوة المعاني وشدة التركيز وتحريك العواطف وبلاغة الإيجاز ما قل أن يجتمع لمثلها من قصائد، ويبدو أنها خرجت من قلب قائلها الشاعر المعروف أبي العتاهية في لحظة صدق مع النفس، وتفجر للموهبة، وتفاعل مع حقيقة الوجود، فجاءت متدفقة سهلة قصيرة، ذات موسيقى مترنمة متراخية، ففعلت فعلها في قلب هارون الرشيد، وهو كما تنقل الأخبار، من بلغاء العرب وعلمائهم في فنون الأدب واللغة، ومن أرقهم قلبا وأغزرهم دمعة.
خانكَ الطرفُ الطموحْ                   أيها القلبُ الجموحْ
لِدواعي الخير والشر                      دُنُـوٌّ ونُـزوحْ
مقدمة فيها شيء من الغموض، وإشارة إلى جموح القلب وطموح الطرف، وهي عادة الأسباب التي تؤدي إلى المعاصي، ثم ذِكْر لتردد النفس البشرية بين الخير والشر، وفي ذلك إشارة إلى الصراع الدائم الذي يعتلج في حنايا كل بشر على الأرض.
يا لها من بداية.. ويا لها من إشارات.
هل لمطلوبٍ بذنبٍ              توبةُ منه نَصوح
كيف إصلاحُ قلوبٍ            إنما هُنَّ قروح
وإذا كانت دواعي الخير والشر تَتَخَطَّفُ النفس البشرية بين دنو ونزوح، فاقتراف الذنوب أمر لا ينجو منه أحد، ولكن ما العمل إذا بلغت الذنوب حدَّاً فسدت معه القلوب حتى أصبحت كتلة منتنة؟ فحَرِيٌّ بصاحبها إذن أن يبادر بالتوبة، ولا يغُرَّنَّـه ستر الله، فذلك من مظاهر إحسانه على عباده:
أحسنَ اللهُ بنا أنَّ        الخطايا لا تفوح
فإذا المستورُ مِنَّـا         بين ثَوبَيْه فضوح
ما أحسن هذا التعبير الموجز، الذي يجمع بين بيان كثرة خطايا ابن آدم، وبيان فضل ولطف ستر الله، الله الستار الذي لو شاء أن تكون للذنوب رائحة لفاحت من جميع البشر.
كم رأينا من عزيزٍ       طُوِيَتْ عنه الكشوح
صاح منه برحيلٍ         صائحُ الموتِ الصدوح
وهنا نقلة لطيفة ولكنها واسعة، تنقلنا من بيان كثرة خطايا بني آدم، إلى بيان النهاية الحتمية لكل منهم، فلا عزيز ولا ذليل إلا ستطويه الأرض عندما يأتيه المنادي في اليوم الموعود ليؤذنه بالرحيل، وماذا بعد؟
سيصير المرءُ يوماً        جسداً ما فيه روح
نعم.. هذه هي النهاية المحققة لكل حي، كبر أو صغر، عز أم ذل، وهي حقيقة يقينية بلغ من رسوخها أنها تكاد تكون مكتوبة على جبين كل إنسان:
بين عَيْـنَـيْ كلِّ حيًّ      علمُ الموتِ يلوح
ولكن العجيب والمؤسف، أن هذه الحقيقة على وضوحها ويقين كل إنسان بها، تكاد تكون غائبة عن أذهان الناس، فتراهم غافلين عنها، مع أن الموت يتجول بينهم ليل نهار حاصداً الأرواح بلا هوادة..
كُلُّـنـا في غفلةٍ           والموتُ يغدو ويروح
وهنا، يبدو أن هذه الأبيات قد لامست معانيها قلبَ الخليفة الرشيد المرهف، وأثرت بلاغتُها بمشاعره اللينة، ففاضت عيناه بالدموع، غير أن شاعرنا لم يداهنه ولم يصانعه، بل قال له:
نـُح على نفسِك يا مسكينُ              إن كنت تنوح
لست بالباقي ولو                        عُمِّرْتَ ما عُمِّرَ نوح
وتصل القصيدة قمتها لتنتهي بها تاركة الخليفة غارقاً في عبراته، متأملاً في مصيره، في لحظة صفاء مع النفس، لا يلزمه فيها المزيد من الكلام، فليس الرشيد بالذي يخفى عليه المطلوب منه بعد هذه الموعظة، فلا حاجة لتذكيره بذلك وقد أفضت دموعه بمكنون نفسه المرهفة.
ألا ما أبلغها من موعظة، وما أعذبها من أبيات، مررنا عليها بقلب المتعظ فوجدنا فيها المعاني والعبر، ولو مررنا عليها بحس المتذوق للأدب لوجدناها تفيض بضروب البيان والبلاغة، دون تكلف ولا تمحل، هل لاحظت عزيزي القارئ مثلاً، ذلك الحشد من المعاني المتعاكسة التي تتدفق من أول القصيدة إلى آخرها، فترى الخير مع الشر، والدنو مع النزوح، والمستور مع الفضوح، والجسد مع الروح، والحي مع علم الموت، والغفلة مع الموت الذي يغدو ويروح، وهي مع كثرتها وتعاقبها لا تَكَلُّف فيها، تمر على سمع من يصغي إليها دون ثقل، لأن كلاً منها قد جاء في مكانه مؤدياً لمعناه المطلوب.
ومع أن القصيدة تشكل قطعة فنية متماسكة، يجمعُ المعنى والخيالُ بين فرائد أبياتها كما يجمع خيطُ الذهبِ عقدَ اللؤلؤ، إلا أن العديد من أبياتها إن قرأتها بانفراد قامت بنفسها جوهرةً نفيسةً كاملةً، تخالها لا تحتاج لغيرها، انظر مثلاً لقوله:
أحسن الله بنا           أن الخطايا لا تفوح
أو قوله:
بين عيني كل حي       علم الموت يلوح
أو قوله:
كلنا في غفلة            والموت يغدو ويروح
فهذه أبيات على قصرها وإيجازها، يصلح كل منها أن يكون مستقلاً بذاته، يُـرْوَى كحكمة بالغة، وكأن شاعره نظمه منفرداً، ثم إذا نظرت إليه في موقعه من القصيدة، وجدته قد سبكه قائله سبكاً لذاك الموقع، زِدْ على كل ما ذكرنا، تلك القافية وذاك الـرَّوِي، الواو الممدودة الدالة على التأوه، والحاء الساكنة التي يخرج معها النَّفَسُ من الأعماق وكأن تدفُّقَ حروفها من لسان قائلها هو تَدَفُّقٌ لمعانيها من أعماق روحه، فحُقَّ لهذه القصيدة أن تكون قمة من قمم البلاغة، وحُقَّ للرشيد أن يبكي لدى سماعها.
هذا هو تاريخنا، وهذا هو أدبنا، شعر بديع، وخليفة تقي، لا نقول إنه كان خليفة راشداً، ولكنه أيضا لم يكن ذاك الفاسد الذي زعم المفترون أن شاعره كان أبو نواس، ولم يعلموا أن أبا نواس لم يثبت تاريخياً أنه قابل الرشيد قط، بل الثابت أنه كان ممنوعاً من دخول بلاط الخلافة في عهده.

 

يسعدنا تعليقكم

 
 
  1. ZerO

    04/09/2011 at 2:28 ص

    القصيدة رائعة تزينت بتعليقك الوافي
    أعجبني هذا التعبير كثيرا
    (
    أحسنَ اللهُ بنا أنَّ الخطايا لا تفوح
    فإذا المستورُ مِنَّـا بين ثَوبَيْه فضوح
    )
    بوركت على ما سطرت

     
  2. أمل

    04/11/2011 at 5:07 م

    أسأل الله لكم سيدي المزيد من الفتوح والعون الإلهي الذي لمسته في تحليلكم للقصيدة .. بروعة لم يسبق لها مثيل على مسمعي ..
    وقد وفقتم لاختيار القصيدة ..كتوفيقكم في تحليلها ..ولله الحمد والمنة .
    نسأل الله لكم القبول والسداد …
    وأسأله أن يهديني لتوبة نصوحة لاذنب بعدها .. ويتقبلني بين عباده الصالحين ..

    ابنتكم .. أمل …

     
  3. هيفاء حريري

    16/05/2012 at 8:52 ص

    أجمل شيء في الحياة لحظة صدق مع النفس ومحاسبتها ، والأجمل حسن اختياركم للموضوع وتحليلكم الرائع للأبيات في كل محطة وإظهار الجمال فيها لفظا ومعنى ، بارك الله جهودكم لتعود لغتنا إلى مكانتها العالمية وسؤددها .

     
  4. امحمدي بوزينة نورالدين

    16/05/2015 at 8:45 م

    ما كان من القلب وصل إلى القلب